بارعة جمعة – تفاصيل برس
وسط التحولات التي تعيشها سوريا، تبرز الحاجة إلى صياغة نماذج اقتصادية خاصة تراعي الحالة السورية وتحقق التوازن بين جذب الاستثمارات الخارجية الهامة والضرورية وحماية الحقوق الاقتصادية للمواطنين، لا سيما بعد سنوات الحرب الطويلة، وتراجع الإنتاج وعدم توفر البيئة المناسبة لجذب استثمارات خارجية.
وضمن المساعي المحلية لإقامة شراكات اقتصادية، تبدو مسألة إعادة الإعمار، الخطوة الأكثر حسماً للجدل الحاصل في بيئة العمل المحلية، ليبدو السؤال الأهم اليوم، ما هو الأفضل للاقتصاد السوري جذب الاستثمار الخارجي أم الداخلي؟
الأكثر قرباً من الواقع السوري
في النظر للواقع السوري ومتطلبات المرحلة الحالية، يجد الخبير الاقتصادي جورج خزام أنه ومن حيث بيئة العمل المتوفرة يبدو الاعتماد على المستثمر السوري أفضل بكثير، أمام المستثمر الأجنبي الذي يريد العمل بظروف اقتصادية وسياسية آمنة، تشبه ظروف العمل في بلده، لجهة حرية حركة الأموال وحجم الطلب وتطبيق قواعد السوق الحر، كما هو الحال في بلده.
وضمن المفاضلة بين الحالتين، يرى خزام أن توجهات غالبية المستثمرين الأجانب هو لجني الأرباح وتحويلها إلى الخارج، كما يسعى للعمل في مكان يكون فيه متوسط الدخل مرتفع، كي لا تقع بضاعته بالكساد، بينما يتجه المستثمر السوري لتشغيل الأرباح من خلال التوسع بالعمل داخل سوريا.
تحقيق التنمية المُستدامة
أنتج إرث السنوات الماضية من الصراعات والتقلبات السياسية والاقتصادية في سوريا بيئة استثمارية غير مستقرة وتحديات كثيرة، من هنا انطلق الباحث الاقتصادي محمد السلوم في حديثه لـ “تفاصيل برس” عن أهمية العمل وفق قانون الاستثمار الجديد 2025، الذي شكل خطوة ضرورية نحو تعزيز الثقة لدى المستثمرين، كما وضع أطراً قانونية واضحة تحمي حقوق المستثمرين، وتوفر حوافز مهمة، معتبراً أن نجاح هذه البيئة يعتمد على استمرارية استقرار القوانين وسهولة الإجراءات.
ويؤكد السلوم أهمية الاستثمار بصفته عاملاً محورياً في تحقيق التنمية المستدامة، متسائلاً بالوقت ذاته عن إمكانية التوفيق بين دور المستثمر المحلي والمستثمر الأجنبي؟ ومن منهما يشكل قوة دافعة حقيقية للنهوض الاقتصادي في ظل التحديات الراهنة؟
لافتاً إلى أن العقوبات الدولية لا تزال تمثل عائقاً أمام دخول رؤوس الأموال الأجنبية، فضلاً عن أن المستثمرين المحليين يعانون من صعوبات التمويل والبيروقراطية، ما يفرض وضع حلول مبتكرة، تسهم في تذليل هذه العقبات، عبر تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وفتح قنوات تمويل محلية ودولية ميسرة.
أيهما أفضل.. الداخلي أم الخارجي
مزايا وتحديات مختلفة تواجه المستثمرين الراغبين بالعمل في سوريا على اختلاف أنواعهم (محلي – خارجي)، يدعو الباحث الاقتصادي إلى مراعاتها بموضوعية، فالمستثمر الأجنبي يتمتع برأس مال ضخم وقدرات تمويلية واسعة تسمح له بدخول قطاعات استراتيجية ومتقدمة، إضافة إلى خبرات إدارية وتقنية متطورة.
بالمقابل، يمتلك المستثمر المحلي معرفة عميقة بالسوق السوري والبيئة الاجتماعية والسياسية، ما يجعله أكثر قدرة على التكيف مع ظروف السوق المحلية وتقلباتها، ما يجعله دعامة أساسية للنمو الاقتصادي المُستدام، لارتباطه بالمجتمع والعمل على تعزيز الاستقرار.
وهنا يُنبه السلوم إلى أن مسؤولية الموازنة بين الطرفين تعود للحكومة، عبر تقديم الحوافز الكافية لجذب الاستثمارات الأجنبية دون إهمال تمكين المستثمر المحلي وتوفير بيئة عادلة له، ما يتطلب وضع سياسات مرنة تسمح للمستثمرين بالتنافس العادل، مع الحفاظ على المصالح الوطنية.
طبيعة المشاريع المُنفذة
يلعب المستثمر الخارجي دوراً هاماً في تغطية المشاريع الضخمة في مجالات البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والسياحة الفاخرة، التي تتطلب رأس مال وخبرات متخصصة، بينما يتجه المحلي إلى قطاعات الزراعة، والصناعات الصغيرة والمتوسطة، والعقارات الخدمية التي تخدم شرائح واسعة من المجتمع، ما يجعل دوره برأي السلوم الأكثر تأثيراً في خلق فرص عمل مباشرة بالمجتمع المحلي، بينما يرفع المستثمر الخارجي من كفاءة الإنتاج وجودة الخدمات.
وأمام هذه المفارقات، يعود الباحث الاقتصادي للتنبيه إلى مسألة السيادة الاقتصادية، من خلال وضع ضوابط تمنع سيطرة الاستثمارات الأجنبية على الموارد الوطنية الحيوية، وضرورة صياغة استراتيجية وطنية للاستثمار تضمن مشاركة عادلة بين المستثمرين المحليين والأجانب، مع إلزام الأخيرين بنقل التكنولوجيا، وتدريب العمالة المحلية، وتحقيق نسب تشغيل عالية، مع وضع آليات شفافة لمراقبة الأداء، بما يخدم المصلحة الوطنية العليا ويعزز هوية الاقتصاد السوري في مرحلة ما بعد الأزمة.


































































































