دانا برجاس – تفاصيل برس
قبل أعوام قليلة فقط، كان العالم يتجه بثقة نحو “ثورة كهربائية” في قطاع النقل. شركات ضخمة تتسابق لإطلاق مشاريعها الطموحة، وحكومات تقدّم دعماً سخياً للسيارات الكهربائية، وسط آمال كبرى بخفض الانبعاثات وتحقيق الاستدامة. لكن من عام 2022 حتى منتصف 2025، تغيّر المشهد كلياً، وكأن العالم استيقظ على واقع أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.
تشير بيانات وحدة أبحاث الطاقة، ومقرها واشنطن، إلى أن 11 شركة سيارات كبرى و8 حكومات في أسواق رئيسية، خفّضت أو علّقت خططها للتحوّل الكهربائي، في تحوّل بدأ تدريجياً ثم تسارع ليصبح اتجاهاً عالمياً واضحاً.
الشركات الكبرى
في الولايات المتحدة، كانت الشركات الأميركية في قلب هذا التحوّل. فقد أعلنت “جنرال موتورز” في تشرين الأول/أكتوبر 2023 تأجيل هدفها بإنتاج مليون سيارة كهربائية في أميركا الشمالية إلى نهاية 2025، بدلاً من 2024، وفي العام التالي أوقفت الإنتاج في مصنع الشاحنات الكهربائية بكندا، وسرّحت 1200 موظف.
أما شركة “فورد”، فقررت تحويل أحد مصانعها الكندية من إنتاج السيارات الكهربائية بالكامل إلى الشاحنات الهجينة، وأجّلت إطلاق طرازات كهربائية جديدة حتى عام 2027.
وفي أوروبا، تراجعت شركات كبرى مثل “مرسيدس، بورشه، رينو، جاغوار لاند روفر، وفولفو” عن التزامها السابق بالتحوّل الكامل إلى السيارات الكهربائية بحلول عام 2030.
“مرسيدس” مثلاً، أقرت بأنها لن تتمكن من تحقيق سوى 50% فقط من هذا الهدف، فيما صرّحت “بورشه” بأن استراتيجيتها أصبحت مرتبطة بـ “الطلب الفعلي”.
الضغوط طالت أيضاً كبرى الشركات اليابانية. ففي أيار/مايو 2025، أعلنت “هوندا” تقليص استثماراتها في قطاع السيارات الكهربائية والبرمجيات بنسبة 30%. كما انسحبت “نيسان” من توسعاتها في السوقين الأميركي والياباني، مغلقةً 7 مصانع ومُسرّحةً 20 ألف موظف بعد تسجيلها أكبر خسارة مالية خلال 25 عاماً. أما “تويوتا”، فأجّلت خططها لتصنيع السيارات الكهربائية في أميركا حتى عام 2026.
الدعم الحكومي
على الجانب الحكومي، بدأت دول رئيسية مثل ألمانيا، الولايات المتحدة، المملكة المتحدة ونيوزيلندا بتقليص أو إنهاء برامج الدعم. ففي عام 2024، ألغت ألمانيا برنامج دعم استمر لعقد من الزمن وكلف الدولة 10 مليارات يورو، مما أدى إلى انخفاض مبيعات السيارات الكهربائية بنسبة 4% خلال عام واحد فقط.
المملكة المتحدة أنهت كل أشكال الإعانة في نهاية 2022، بينما أوقفت سويسرا إعفاءاً ضريبياً تاريخياً يعود إلى التسعينيات، أما في الولايات المتحدة، ومع بداية عهد الرئيس دونالد ترامب، بدأت الحكومة بمراجعة قانون خفض التضخم وعلّقت تمويل البنية التحتية لمحطات الشحن، في تحوّل سياسي دراماتيكي.
ووفقاً لتقديرات شركة “وود ماكنزي”، من المتوقع أن تنخفض حصة السيارات الكهربائية في السوق الأميركية إلى 23% فقط بحلول 2030، بعدما كانت التوقعات تشير سابقاً إلى 32%.
من الدعم إلى الضرائب
بشكل مفاجئ، انتقلت عدد من الدول من تقديم الإعفاءات إلى فرض الضرائب، كندا بدأت اعتباراً من 2025 بفرض ضريبة سنوية قدرها 200 دولار على كل سيارة كهربائية، في حين فرضت نيوجيرسي الأميركية رسوم سنوية بقيمة 250 دولاراً. كما انضمت نيوزيلندا والنرويج إلى هذا التوجّه عبر فرض ضرائب إضافية ترتبط بعدد الأميال المقطوعة أو بقيمة السيارة.
وسط هذا التراجع العالمي، برزت الصين كاستثناء. فبعد أن أنهت برنامج الدعم الرسمي في 2022، أبقت الحكومة الصينية على إعفاءات ضريبية مجزية، وأطلقت في عام 2024 خطة جديدة لتحفيز استبدال السيارات القديمة بأخرى كهربائية، مدعومةً بمكافآت مالية تهدف للحفاظ على زخم السوق المحلي.
هل انتهى الحلم؟
لكن هذا التراجع لا يعني نهاية عصر السيارات الكهربائية، بقدر ما يشير إلى إعادة تموضع أمام تحديات اقتصادية وواقعية. الطموحات البيئية، وحدها، لم تكن كافية. إذ تبين أن نجاح التحوّل يحتاج إلى طلب مستقر، وسلاسل توريد مرنة، ودعم حكومي طويل الأمد.
في غضون ثلاث سنوات فقط، تحوّلت السيارات الكهربائية من رمز للتعاون العالمي إلى قضية خلافية بين الشركات، الحكومات، والمستهلكين، وبينما يدخل العالم عام 2025، يبقى السؤال الكبير: كيف يمكن إعادة شحن حلم السيارات الكهربائية… دون بطاريات الدعم؟


































































































