إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
صدر يوم أمس الاثنين قرار من الهيئة العامة للمنافذ البرية والبحر يمنع استيراد 21 مادة ومن ضمها مواد الفروج الحي والطازج والبيض، وجاء القرار وسط تصاعد شكاوى المنتجين المحليين، وخاصة في قطاع الدواجن، من تأثيرات الاستيراد العشوائي على دورة الإنتاج، وما نجم عنه من تراجع في الربحية وخروج عدد كبير من المربين من السوق.
اضطراب قطاع الدواجن
يرى خبراء أن هذا القرار هو محاولة لوقف النزيف في أحد القطاعات الإنتاجية الهامة في البلاد وهو قطاع الدواجن، الذي يشهد منذ سنوات تذبذب واضح في الإنتاج والأسعار، وفي هذا السياق أكد الخبير الزراعي المهندس عبد الرحمن قرنفلة في حديثه لـ “تفاصيل برس” أن الخط البياني لنمو قطاع الدواجن في سوريا اتّسم دائما بتذبذبات حادة بين فترات ازدهار وفترات انهيار نتيجة غياب التخطيط المركزي والرؤية التنظيمية.
واعتبر أن ما نشهده هو نمط إنتاج غير مستقر، تعكسه فوضى في حلقات الإنتاج المختلفة، بدءاً من جدات الدجاج إلى الأمات، وصولاً إلى القطعان التجارية، فضلاً عن غياب منظومة تسويقية منضبطة، مما يضع السوق دائماً في حالة من عدم اليقين.
وأضاف، بأن أحد أسباب هذا الاضطراب هو تحول المربين إلى الإنتاج بشكل عشوائي للفروج والبيض، دون مرجعية تخطيطية، إلى جانب فوضى في استيراد الجدات والأمّات، دون دراسة حقيقية لحاجة السوق أو قدرتها الاستيعابية، ولا تتوقف الإشكالات عند هذا الحد، فبحسب قرنفلة، تفاقم الوضع نتيجة التهريب غير المنضبط لبيض التفريخ والصيصان من دول الجوار، ما أربك آلية ضبط السوق وأضعف قدرة الجهات الرسمية على السيطرة على تدفقات الإنتاج.
ارتفاع تكاليف الإنتاج
إلى جانب الفوضى في بنية القطاع، لفت قرنفلة إلى أن تكاليف الإنتاج أصبحت العامل الأكثر تأثيراً على بقاء المربين أو خروجهم من السوق، حيث تشكّل الأعلاف وحدها ما يقارب 75% من إجمالي التكاليف، إضافة إلى الارتفاع المستمر في أسعار الأدوية البيطرية، ومصاريف الطاقة، والضرائب والرسوم.
وبيّن أنه عندما ترتفع كلفة الإنتاج بهذا الشكل، وتترك السوق لمنافسة غير عادلة مع منتجات مستوردة تباع بأقل من كلفة المنتج المحلي، فمن الطبيعي أن تتزايد نسب الخسارة في صفوف المربين، ويغادر كثيرون منهم دورة الإنتاج.
وحذر من أن استمرار هذا المسار دون تدخل حكومي جاد قد يؤدي إلى انهيار البنية الأساسية للقطاع، ويؤكد قرنفلة أن الخلل الهيكلي لم يكن محصوراً بالإنتاج فقط، بل طال غياب الضوابط الإحصائية الدقيقة حول عدد المداجن العاملة، وضعف تطبيق إجراءات الأمن الحيوي، مما زاد من نسب النفوق وانخفضت معه الجدوى الاقتصادية للتربية.
هل يكفي قرار المنع وحده؟
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن القرار جاء كرد فعل ضروري، وليس كحل جذري، حيث أشار قرنفلة إلى أن حماية المنتج المحلي خطوة مهمة ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي واستقرار المجتمع، لكن هذه الخطوة يجب أن تكون ضمن منظومة متكاملة من السياسات التنظيمية والإصلاحية، لا يمكن إنقاذ القطاع بقرار منع فقط.
ويقترح مجموعة من التدخلات البنيوية، على رأسها:
- تنظيم القطاع عبر إحداث اتحاد نوعي لمربي الدواجن يكون له دور إشرافي وتخطيطي.
- إلغاء الضرائب على مدخلات الإنتاج، وخاصة الأعلاف، لتخفيف الضغط عن المربين.
- وضع قانون ينظم تجارة وتداول الأعلاف، ويمنع الاحتكار والتلاعب.
- إعادة تحديد دور المؤسسة العامة للدواجن، بحيث تقتصر مهامها على تربية الجدات والأمات فقط، مما يسمح بضبط تدفّق الصيصان وضمان التوازن بين حلقات الإنتاج.
حماية الداخل أولاً
أن قرار حظر الاستيراد خطوة لا بد منها، لكنها لا تُغني عن الحاجة لإصلاح عميق وجذري في بنية الإنتاج الزراعي والداجن، فالسوق المحلية، وإن بدت اليوم أكثر هدوء، إلا أنها لا تزال عرضة للتقلبات ما لم يتم بناء منظومة إنتاجية متماسكة، تعمل وفق معايير واضحة ورقابة فعالة.
وفي ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة، أصبح الأمن الغذائي خيار سياسي بامتياز، لا يقل أهمية عن ملفات السيادة الوطنية، والمنتِج المحلي لا يحتاج فقط إلى الحماية من الخارج، بل إلى إصلاح الداخل، وهي مهمة لا تُحل بقرار واحد، بل بخارطة طريق متكاملة.


































































































