إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
تشهد العلاقة بين أوروبا وقطر توتراً متصاعداً على خلفية تشريع أوروبي جديد، يفرض معايير بيئية صارمة على الشركات، بما في ذلك تلك العاملة في قطاع الطاقة، فقد لوّحت الدوحة، أحد أكبر مورّدي الغاز الطبيعي المُسال للقارة العجوز، بإمكانية خفض الإمدادات احتجاجاً على ما وصفته بانتهاك “توجيه الاستدامة” الأوروبي لسيادة الدول.
ويأتي هذا التهديد في لحظة دقيقة تمرّ بها أوروبا، بينما تسابق الزمن لتأمين بدائل للغاز الروسي قبل الموعد المحدد لحظره الكامل في 2027.
تعاني أوروبا من مشكلة في سوق الطاقة، بعد تحذير من قطر باحتمال خفض إمدادات الغاز المُسال، وقد جاء هذا التحذير، بحسب ما أوردته وكالة رويترز وصحيفة دي فيلت الألمانية، في رسالة وجهتها قطر إلى حكومة بلجيكا.
وأكدت فيها اعتراضها على قانون الاتحاد الأوروبي للعناية الواجبة بشأن العمالة القسرية، ومتطلبات التوجيه الذي يفرض على الشركات العاملة في أوروبا، بما فيها القطرية، مراقبة تأثيراتها البيئية ووضع خطط انتقال مناخي صارمة، مع تعريض المخالفين لغرامات قد تصل إلى 5% من إيراداتها السنوية.
اعتراضات
وتتركز الاعتراضات القطرية تحديداً على المادة 22 الخاصة بمكافحة التغير المناخي، التي تراها “تتجاوز اتفاقية باريس 2015” وتفرض شروطاً أوروبية على سياسات الدول الأخرى، ما يقوض حقها في تحديد مساهماتها الوطنية الطوعية لخفض الانبعاثات.
وهددت الدوحة صراحة بالتحول إلى “أسواق بديلة” في حال عدم مراجعة هذه البنود، مستندة إلى مكانتها بوصفها ثالث أكبر مصدر للغاز المُسال إلى أوروبا بنسبة (12 – 14%) منذ عام 2022، بعد روسيا والولايات المتحدة.
تصعيد
يأتي هذا التصعيد في توقيت حرج لأوروبا، التي تسعى للتخلي الكامل عن الهيدروكربونات الروسية بحلول عام 2027.
وبحسب تحليل الخبير المستقل ديمتري ليوتياجين، لصحيفة كوميرسانت الروسية، كانت الخطة الأوروبية تعتمد على تعويض الفجوة الروسية عبر زيادة الاعتماد على الغاز القطري.
ورغم إمكانية تعويض النقص على المدى القصير عبر مورّدين كالنرويج وأميركا، إلّا أنّ تنفيذ قطر لتهديدها سيخلق أزمة طاقة حادة بعد عام 2027 مع تفعيل الحظر الكامل على الغاز الروسي.
من جهة أخرى، يرى الخبراء الروس أن قطر لن تواجه صعوبة في تحويل مسار صادراتها، فقد أوضح المحلّل الاستراتيجي سيرغي سوفيروف، لـ”كوميرسانت”، أنّ “الطلب الآسيوي يتصاعد بقوة، خاصة في الصين، أكبر مستورد عالمي، والهند، إلى جانب حاجة اليابان وكوريا الجنوبية المستمرة، ما يوفر بدائل سريعة رغم المنافسة الأسترالية”.
آمال على قطر
وفي هذا السياق، يعيد الموقف الروسي التذكير بعواقب القرار الأوروبي، إذ علّق المتحدّث الرسمي للكرملين، ديمتري بيسكوف، بأن أوروبا “قطعت أرجلها بنفسها” بتخليها عن الطاقة الروسية الرخيصة التي كانت أساس رفاهيتها.
وفيما تعلّق أوروبا آمالها على قطر لسدّ فجوة الطاقة المتزايدة، فإن تصلب المواقف من الجانبين قد يعيد خلط أوراق سوق الغاز العالمية، ويفتح المجال أمام تحالفات جديدة في آسيا على حساب السوق الأوروبية.
وبينما تحاول بروكسل فرض رؤيتها البيئية عبر تشريعات عابرة للحدود، تؤكد الدوحة أن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن احترام السيادة الوطنية، وفي هذا التوازن الدقيق بين الاستدامة والمصالح الجيوسياسية، تبرز أزمة الغاز المرتقبة مؤشراً على مرحلة جديدة من الصراع بين القيم والمعايير الأوروبية، والواقعية الاقتصادية للدول المصدّرة للطاقة.
































































































