بارعة جمعة – تفاصيل برس
في خطوة تهدف إلى إعادة هيكلة التجارة العالمية لصالح العمال الأمريكيين، وفقاً للبيت الأبيض، أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترامب قراراً يوم الخميس بتاريخ 31 تموز/يوليو الفائت، يقضي برفع الرسوم الجمركية على عشرات الدول، ومن بين هذه الدول سوريا، التي جاءت في مقدمة القائمة مع أعلى معدلات فرضت عليها بنسبة 41%، الذي أثار هواجس السوريين من تبعات القرار على الواقع الاقتصادي السوري.
غير مؤثر
شكلت مسألة رفع الرسوم الأميركية مادة ساخنة للمحللين الاقتصاديين السوريين، ممن وجدوا فيها خطوة سياسية بأهداف اقتصادية، كما وصف الأكاديمي والباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور عباس رشيد كعده في حديثه لـ “تفاصيل برس” هذه الخطوة بأنها أداة لإعادة ضبط التموضع الإقليمي، كما أن القرار الأميركي لا يُقرأ في ضوء الميزان التجاري، ولا تُفسَّر دلالاته وفق منطق العرض والطلب، فحجم التبادل شبه معدوم أصلاً، والقرار لا يغيّر شيئاً في الواقع الاقتصادي الأميركي.
وعن رمزية القرار يقول كعدة: تتجاوز ذلك بكثير، فالملف الاقتصادي السوري لا يزال تحت المجهر الدولي، وتُعاد مراقبته وتقييمه باستمرار ضمن اشتراطات سياسية واقتصادية متداخلة، مشيراً إلى تحول الاقتصاد من غاية إلى وسيلة، يتم استخدامه لضبط إيقاع العلاقات مع سوريا، وتوجيه رسائل ضمنية لمن يحيط بها أو يفكر بالتعامل معها اقتصادياً.
عوائد استراتيجية محسوبة
لا يحمل القرار الأميركي في طياته مكاسب مالية ملموسة، إذ لا تمثل الصادرات السورية إلى الولايات المتحدة رقمًا يُعتدّ به، من هنا يجد كعدة بأن الأثر الحقيقي للقرار يكمن في قدرته على ترميز موقع سوريا في الخارطة الاقتصادية السياسية الدولية، كما أن الرسالة واضحة ومفادها: أن سوريا لا تزال ضمن نطاق المراقبة الاقتصادية المشدّدة، وأي محاولة لإعادة إدماجها في الاقتصاد الإقليمي أو العالمي، يجب أن تمر عبر بوابات سياسية، لا عبر بوابات السوق.
وعن الأثر الداخلي للقرار بين الضغط النفسي وإمكانية التكيّف مع هذه الرسائل الأميركية، يتوقع الباحث الاقتصادي ألا يُحدث القرار تغييراً كبيراً في حجم الصادرات أو في أسعار السوق داخل سوريا، بينما الأثر النفسي له على الفاعلين الاقتصاديين لا يُستهان به، فكل تصعيد خارجي يُعيد ترسيخ شعور بعدم الاستقرار، ويُغذّي حالة من الترقّب والجمود في بيئة هشّة ومقيدة.
مع ذلك، فإن وضوح هذا النوع من القرارات قد يُنتج ما هو إيجابي: يدفع إلى التكيّف بدل الانتظار، ويشجّع على بناء مبادرات داخلية ضمن الممكن والمتاح، دون الارتهان للمتغيّرات الخارجية بالكامل.
رسالة ترامب إلى المحيط
يقرأ الأكاديمي والباحث في الشؤون الاقتصادية الدكتور عباس رشيد كعده ما بين سطور القرار الأميركي، مؤكداً أن الرسالة باتت واضحة وهي: لا تعامل اقتصادي خارج التوافق الدولي، وبأن هذه الإشارات لا تقتصر على دمشق وحدها، بل موجهة إلى الأطراف التي تفكر بفتح قنوات اقتصادية مع سوريا، سواء عبر استثمارات أو تسهيلات تجارية أو لوجستية.
وبهذا المعنى، تقول واشنطن أنها لا تغلق الباب تماماً، لكنها تشترط أن يكون مفتوحاً عن طريقها فقط، أما عن حال المؤسسات الدولية، فالرقابة تزداد والهوامش قائمة، مع زيادة في تعقيد تقييم المخاطر.
إلا أن ذلك لا يعني غياب المساحة تماماً وفق رؤية كعدة، لوجود قنوات مشروعة، واستثناءات قانونية، ومسارات إنسانية ممكنة، يمكن تفعيلها إن توفّر التنسيق السياسي والقانوني المطلوب، فهي تحتاج إلى إدارة ذكية لا إلى انسحاب كامل.
لا قطيعة… بل مراجعة مستمرة
القرار الأميركي يُعيد التذكير بأن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بموقعها كضابط رئيسي في مسار إعادة التموضع الاقتصادي للدول، وبأن الاقتصاد السوري ما يزال في دائرة المراقبة الدقيقة، لا في دائرة الإقصاء المطلق.
ورغم هذه القيود، يعود الباحث الاقتصادي للتذكير بوجود مساحات ممكنة للحركة، وبأن التحدي الحقيقي داخلي بالدرجة الأولى، مُتسائلاً… هل تستطيع المؤسسات والقطاع الخاص السوري العمل ضمن هذا الواقع المتوتر؟ وهل يمكن تحويل الإشارات السلبية الخارجية إلى دافع نحو إعادة هيكلة داخلية أكثر واقعية وقدرة على التكيّف؟.. الجواب مرهون بالاستجابة، لا بالقرار الأميركي ذاته.


































































































