إبراهيم مخلص الجهني – تفاصيل برس
في ظل الحرائق الكبيرة التي اجتاحت الغابات في الساحل السوري، والتي بلغت المساحات المتضررة منها وفق التقديرات غير الرسمية حوالي 14 ألف هكتار، ومن هنا يبرز تساؤل هام حول تداعيات هذه الكارثة البيئية على أحد أهم القطاعات الإنتاجية المرتبطة مباشرة بالبيئة وهو قطاع تربية النحل.
نظرة أولية على الخسائر
بحسب المهندس فتوح جمعة، أمين سر اتحاد النحالين العرب فرع سوريا في حديثة لـ “تفاصيل برس” فإن الغابات التي تضررت من الحرائق رغم اتساع رقعتها، لا تشكل مراعي مثالية للنحل، نظراً لندرة النباتات الرحيقية فيها بالتالي فإن الضرر المباشر على مربي النحل في المناطق الساحلية، قدر بنسبة لا تتجاوز 5%، على اعتبار أن النحال الحقيقي يتتبع المراعي بشكل شبه يومي بالتالي اقتصر الضرر على النحالين الذين لا يملكون الإمكانيات المادية للترحيل، مبيناً أن غالبيه النحالين قبل فترة من اندلاع الحرائق قاموا بنقل خلاياهم بحثاً عن مراعي القبار أو الجيجان أو المرار في مناطق شرقي حمص وحماه وغيرها.
اختلال دورة الحياة البيئية
وبحسب الخبير فأن دورة حياة النحل قد تتأثر سلبياً بعدة طرق منها مباشرة ومنها غير مباشرة نتيجة الحرائق مثل فقدان الغطاء النباتي الرحيقي، الأمر الذي يؤدي إلى فجوة غذائية مؤقتة للنحل يمكن أن تمتد لعدة أشهر، كما أن الاضطرابات السلوكية للنحل نتيجة تصاعد الدخان سوف يسبب هجران الخلايا أو فقدان النحل للاتجاهات، ويضاف إلى ذلك ما يعرف بانخفاض الكثافة البيئية للنحل، الذي يعتمد بالدرجة الأولى على الظروف المناخية اللاحقة للحرائق، ومدى قدرة النباتات على التعافي الطبيعي.
التبعات البيئية والزراعية
من منظور بيئي، أشار فتوح إلى أن النحل كائن أساسي وضروري في عمليات التلقيح الطبيعي للنباتات البرية وعلى وجه الخصوص في الغابات والجبال، لذلك فإن غيابه أو تراجع إعداده سوف يؤدي إلى انخفاض واضح في كثافة الغطاء النباتي وتراجع التنوع الحيوي الطبيعي الذي يعتبر عامل توازن في مواجهة الآفات، أما على الصعيد الزراعي، فإن اختلال منظومة النحل سيقودنا إلى تراجع الإنتاجية في المحاصيل من حيث الكم والنوع، ما ينعكس بشكل سلبي على دخل الأسر الريفية ويسهم في زيادة معدلات الهجرة من الريف إلى المدينة، بما يحمله ذلك من آثار اجتماعية واقتصادية طويلة الأمد.
الإجراءات الوقائية
وبحسب أمين سر اتحاد النحالين العرب، فإن التعامل مع تداعيات الكارثة يتطلب تنفيذ حزمة من الإجراءات العاجلة، أبرزها: تأمين التغذية السكرية والبروتينية للنحل لتعويض النقص الغذائي الناتج عن تدهور المراعي، وإجراء الفحوص الدورية والتأكد من وجود الملكات ونشاط الخلايا ودمج الطوائف الضعيفة والعمل على تقويتها، بالإضافة إلى مراقبة الأمراض المرتبطة بالإجهاد البيئي، ولا سيما النوزيما والفاروا، ومشاركة المجتمع المحلي في جهود استعادة الغطاء النباتي الرحيقي، وإعادة تأهيل المراعي من خلال نشر بذور نباتات رعوية ملائمة لطبيعة المنطقة.
يذكر أن عدة جهات وطنية ودولية، من بينها وزارة الزراعة ومراكز البحوث العلمية والمنظمات الدولية، بدأت باتخاذ خطوات عملية لإعداد دراسات منهجية تعنى بإعادة تأهيل المناطق المتضررة، وفق ظروف كل منطقة على حدة.
استجابة وطنية شاملة
واختتم أمين سر النحالين المهندس فتوح جمعة حديثه لـ “تفاصيل برس” بأن ما تشهده سوريا اليوم في هذا السياق ليس مجرد أزمة قطاعية عابرة، بل هو تحدٍّ حقيقي لـ الأمن البيئي والغذائي الوطني، وبالتالي، فإن التعامل مع قضية النحل يجب أن ينتقل من نطاق المعالجة الجزئية إلى إطار وطني شامل يستند إلى التنسيق المؤسسي بين وزارات الزراعة والبيئة والإدارة المحلية، دعم النحالين المتضررين عبر برامج تمويلية ومساعدات فنية مباشرة، وتوسيع الشراكة مع المنظمات الدولية ( FAO، WFP، UNHCR ) التي سبق أن ساهمت بفعالية في دعم القطاع، ووضع بيانات دقيقة ومحدثة عن واقع خلايا النحل وتوزعها الجغرافي وحالتها الإنتاجية.
وأكد، على ضرورة التعامل مع تراجع قطاع النحل في سوريا كملف استراتيجي له أولوية وطنية، وذلك لما له من آثار مباشرة على الزراعة، والغذاء، والبيئة، والتنمية المستدامة.
بالتالي، إن الحفاظ على النحل، ليس فقط حفاظ على كميات إنتاج العسل فقط، بل هو حفاظ على دورة الحياة الطبيعية، وتأمين الاستقرار للمجتمعات الريفية وركيزة من ركائز التعافي البيئي بعد الأزمات.


































































































