رنيم الأحمد (الحسكة) – تفاصيل برس
تشهد محافظة الحسكة تفاقمًا ملحوظًا في ظاهرة عمالة الأطفال، في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية القاسية التي تعصف بالمنطقة، حيث يُجبر عدد متزايد من الأطفال على العمل في بيئات غير آمنة، حاملين أعباء تفوق طاقتهم، محرومين من حقهم الأساسي في التعليم والحياة الكريمة.
يعكس هذا الواقع المؤلم عمق الأزمة الإنسانية التي تعيشها المحافظة، ويستدعي تدخلًا عاجلًا للحد من تفشي هذه الظاهرة وإنقاذ جيل مهدد بالضياع.
كما هو الحال مع نسرين، طفلة في الثانية عشرة من عمرها، تواجه مسؤوليات تفوق سنّها بكثير، هي من مدينة رأس العين، لكنها تقيم حاليًا مع أسرتها في مدرسة بمدينة الحسكة بعد أن اضطرت للنزوح بسبب الظروف الصعبة.
عمل طوال اليوم
فقدت نسرين والدها قبل عامين في حادث سير، ومنذ ذلك الوقت تحمّلت عبء الأسرة الكبيرة التي تتكوّن من سبعة أشخاص: والدتها، وجدتها، وشقيقها البالغ من العمر 6 سنوات، وشقيقتها ذات الأربعة أعوام، وأخيها الأصغر من زوجة والدها والذي لا يتجاوز عمره السنتين.
تعمل نسرين يوميًا في محل جملة، حيث تبدأ يومها في السابعة صباحًا ولا تنتهي إلا في الثامنة مساءً. تقوم بأعمال شاقة مثل تنظيف المكان، وحمل البضائع الثقيلة، والمساعدة في المحاسبة.
تقول نسرين: “أعمل من الصباح حتى المساء لأساعد في تأمين المصروف اليومي. ليس لدينا معيل، وأنا الأخت الكبرى، وإخوتي صغار جدًا. دخلي اليومي يتراوح بين 30 إلى 40 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل حوالي ألف ليرة شهريًا. الأسعار مرتفعة ولا يوجد دخل ثابت”.
ورغم الظروف القاسية، تحاول نسرين أن تحافظ على أملها، وتضيف: “أحب كثيرًا أن أذهب إلى المدرسة، لكني لا أستطيع. أتمنى أن أقدّم شهادة الصف التاسع في العام المقبل. أتعب كثيرًا، وأتعرض أحيانًا للإساءات، لكني أتحمّل لأجل أمي وإخوتي وجدتي”.
في بيع الخبز
أما محمد، فتى يبلغ من العمر 15 عامًا، يعمل مع شقيقه الأصغر ليث، البالغ من العمر 13 عامًا، يوميًا في شوارع مدينة القامشلي منذ ساعات الصباح الباكر.
بعد وفاة والدته قبل ثلاث سنوات، دخلت حياة محمد مرحلة جديدة من المسؤولية. والده تزوّج مرة أخرى، وأصبح محمد واحدًا من سبعة إخوة، هو وليث من بينهم.
يبدأ يومهما مع شروق الشمس، في السادسة صباحًا. ليث يذهب إلى الفرن ليحضر 20 ربطة خبز ليبيعها، بينما يقف محمد على الزاوية الأخرى من الشارع، حاملاً ترمسًا كبيرًا من الشاي وآخر من القهوة. يبيع الشاي للمارة مقابل 4 آلاف ليرة سورية، وكوب النسكافيه بـ3 آلاف.
يقول محمد: “أنا متعاقد مع عدد من المحلات. أول ما يفتحون في الصباح، أوصل لهم الشاي. أحيانًا يكرمني أحدهم، وهكذا نمضي يومنا. هذه هي حياتنا”.
دراسة وعمل!
ورغم هذا الجهد اليومي، لا يفقد محمد الأمل، ويقول: “العام الماضي نجحت وقدّمت شهادة الصف التاسع، لكن لا أعرف ما الذي ينتظرني. هل يمكنني أن أتعلم أكثر؟ هل يمكن أن أدخل الجامعة مثل باقي الشباب؟”.
ورغم العبء الكبير، لا يفكر محمد في تعليم نفسه فقط، بل أيضًا في مستقبل شقيقه ليث، ويقول بحنان: “أنا أحب ليث كثيرًا، ولا أجعله يعمل معي إلا في الصيف والعطل، أما في أيام المدرسة، أتركه يتفرغ للدراسة، وأتولى وحدي بيع الخبز والشاي”.
إن قصص نسرين ومحمد ليست سوى نماذج من مئات، بل آلاف الأطفال في محافظة الحسكة الذين اضطرّتهم الظروف القاهرة إلى ترك مقاعد الدراسة والدخول مبكرًا إلى سوق العمل في بيئات غير آمنة، يتعرضون فيها للاستغلال الجسدي والنفسي، ويتحمّلون أعباء لا تتناسب مع أعمارهم.
ورغم ما يحمله هؤلاء الأطفال من طموحات وأحلام، إلا أن الواقع يفرض عليهم خيارات قاسية، في ظل انعدام الدعم، وغياب شبه تام للجهات المعنية بحماية الطفولة، سواء من قبل السلطات المحلية أو المنظمات الإنسانية العاملة في المنطقة. فالمساعدات محدودة، والمبادرات غير كافية، بينما تتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية يومًا بعد يوم.


































































































