رنيم الأحمد (القامشلي) – تفاصيل برس
أزمة عطش خانقة تحيط بالقامشلي منذ فترة طويلة، حيث تشهد أحياء كاملة انقطاعات متكررة بمياه الشرب، الأمر الذي جعل الأهالي يعتمدون على صهاريج المياه الخاصة، والتي يشتبه في أن بعضا منها ملوثة وغير قابلة للاستخدام البشري.
وفي محاولة لتأمين احتياجاتهم الأساسية، لجأ بعض السكان إلى حفر آبار منزلية، غير أن قرار المنع الأخير وضع حدًا لهذا الحل أيضًا، ليعود الأهالي إلى ذات المشكلة، إما مياه مقطوعة أو صهاريج المياه الملوثة!
شروط تعجيزية
تشترط البلدية في الإدارة الذاتية للموافقة على حفر بئر منزلية، أن يكون الموقع داخل باحة أو حديقة منزلية فقط، مع ضرورة الحصول على رخصة رسمية من مديرية المياه وموافقة بلدية الشعب أو “الكومين”.
كما يُلزم المتقدم بدفع رسوم مبدئية تبلغ 400 ألف ليرة سورية، على أن يتراوح عمق البئر عادة بين 30 و50 مترًا، بتكلفة تقديرية تبلغ نحو 30 ألف ليرة سورية لكل متر، تُخصص مياه البئر للاستعمالات المنزلية فقط، ويُمنع استخدامها للشرب أو لأي غرض زراعي أو تجاري، مثل بيع المياه.
كذلك، يُشترط الالتزام بمسافات فصل محددة لا تقل عن 500 متر وتصل حتى كيلومتر واحد عن أي بئر أو منشأة مائية قائمة، ويُمنع نهائيًا استخدام أو استئجار آليات حفر من خارج البلدية، إذ يجب أن تتم جميع أعمال الحفر عبر المعدات التابعة لها.
منع الحفر يثير الجدل
في مطلع شهر تموز الجاري، أصدرت البلدية قرارًا يقضي بمنع حفر الآبار المنزلية بشكل نهائي، مع إيقاف استقبال طلبات الترخيص، مؤكدة أنها ستتخذ إجراءات قانونية بحق أي شخص يُضبط وهو يقوم بالحفر دون إذن.
وفي تصريح خاص لـ “تفاصيل بريس”، كشف أحد المسؤولين عن دوافع القرار، موضحًا أن الهدف الأساسي هو حماية المخزون الجوفي من الاستنزاف، وضبط الفوضى المتزايدة في عمليات الحفر العشوائية، التي قد تتسبب بتلوث المياه أو انهيارات في التربة.
ويأتي هذا القرار في ظل ظروف مناخية قاسية تمر بها البلاد، إذ شهد عام 2025 واحدًا من أكثر مواسم الجفاف حدة منذ عقود، مع تراجع كبير في معدلات الهطل المطري، وانخفاض واضح في الغطاء النباتي، ما انعكس سلبًا على الموارد المائية وأدى إلى تفاقم أزمة المياه في المنطقة.
قطع نهائي للأمل!
رغم مشروعية المخاوف البيئية التي أثارتها البلدية، إلا أن العديد من السكان يعتبرون قرار المنع التام لحفر الآبار المنزلية بمثابة “قطع نهائي للأمل”، خاصة في ظل غياب أي حلول عملية أو بدائل واضحة لتوفير المياه.
ويرى كثيرون أن السماح بالحفر المنظم، تحت إشراف الجهات الفنية ومن خلال نظام تراخيص صارم، كان يمكن أن يكون خيارًا أكثر توازنًا وأقل ضررًا من المنع الكامل.
في هذا السياق، يقول لـ تفاصيل بريس يامن سلطان، أحد سكان مدينة القامشلي: “إذا لم نوفر مياهًا من البلدية، وليس لدينا بئر في المنزل، فهل يعني ذلك أننا سنضطر لشراء المياه طوال حياتنا؟ والأمر الأكثر إشكالية هو أننا لا نعرف مصدر هذه المياه التي نشتريها.”
ويضيف سلطان أن الحل الأمثل يكمن في تنظيم عملية حفر الآبار المنزلية بدلًا من منعها، عبر اعتماد آلية تراخيص واضحة ومقبولة. ويرى أن تكلفة حفر البئر لا تقل عن 2500 دولار أمريكي، خصوصًا أن استخدام آليات الحفر محصور بالبلدية فقط، ما يزيد من الأعباء على السكان. كما تشير التكلفة إلى أن معدات الحفر وأجهزة الضخ (الغطاس) تكلف عادة أكثر من 500 دولار، مما يجعل التنظيم والمراقبة الفنية ضروريين لضمان حماية البيئة ومنع الأضرار.
بهذا الشكل، يؤكد السكان أن تنظيم الحفر بموجب تراخيص صارمة ومتابعة فنية دقيقة قد يوازن بين حماية المخزون الجوفي والبيئة من جهة، وتأمين احتياجاتهم الأساسية من المياه من جهة أخرى، بدلًا من اللجوء إلى قرار المنع الكامل الذي يزيد من معاناتهم.
تحذير من الاستنزاف
أوضح مهندس زراعي في حديث خاص لـ “تفاصيل بريس” أن مدينة القامشلي تعتمد بشكل شبه كامل على المياه الجوفية، في ظل غياب مصادر المياه السطحية الفاعلة، مشيرًا إلى أن الاستنزاف غير المدروس لهذه الموارد يشكل خطرًا حقيقيًا على الأمن المائي في المنطقة، وشدد على أن أي حل لأزمة المياه يجب أن يكون جزءًا من سياسة مائية شاملة، تراعي التغيرات المناخية وتراجع الموارد المائية في السنوات المقبلة.
وأضاف، بأن المنطقة لطالما اعتمدت على مزيج من الآبار الجوفية، الينابيع الطبيعية، والسدود الصغيرة لري مساحاتها الزراعية الشاسعة، لكن في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة، أبرزها التراجع الحاد في منسوب المياه الجوفية، والجفاف شبه الكامل للسدود السطحية، نتيجة انخفاض معدلات الهطل المطري، خصوصًا خلال العامين الماضيين.
وتابع، تنعكس أزمة المياه بشكل مباشر على قطاع الزراعة، لكنها لا تقتصر عليه، إذ أدى الانخفاض الكبير في المياه إلى تدهور واضح في الغطاء النباتي، واقتصار الحياة النباتية على أنواع مقاومة للجفاف مثل الأشواك، ما أثّر بدوره على التنوع البيئي والحياة البرية، وأشار المهندس إلى العلاقة الطردية بين تزايد الحفر العشوائي وتدهور الغطاء النباتي، إذ يؤدي الاستنزاف المفرط للمياه إلى تعرية التربة، وفقدانها للخصوبة والاستقرار، ما يسرّع من وتيرة التصحر في المنطقة.
في ظل كل هذه التحديات، تبقى الحاجة ملحّة لإيجاد حلول واقعية ومتوازنة، تُراعي البعد البيئي من جهة، وحق السكان في المياه من جهة أخرى. فالماء، كما يُقال، لا ينتظر القرار الإداري، بل هو ضرورة حياتية لا تقبل التأجيل.


























































































