رنيم الأحمد (الحسكة) – تفاصيل برس
كانت الجزيرة السورية تُعرف لسنوات طويلة بأنها “سلة الغذاء السورية” ووجهة الزراعة الأولى في البلاد، لكن هذا الواقع بدأ يتغيّر تدريجيًا، في السنوات الخمسة الأخيرة، حيث باتت تشهد المنطقة تراجعًا ملحوظًا في قطاع الزراعة، حيث تحوّلت الحقول التي كانت تفيض بالقمح والقطن والخضراوات إلى مساحات جافة مهجورة.
بدأ هذا التدهور بفعل ظواهر وعدد من العوامل بدأً بتغيّرات مناخية حادة، إلى تراجع كميات الأمطار، وارتفاع درجات الحرارة، إضافة إلى سياسات زراعية عاجزة عن مواكبة التحديات.
في ظل غياب الدعم الحقيقي والحلول المستدامة، تُرك المزارعون يواجهون مصيرهم وحدهم، بينما تزداد الضغوط على الأرض والناس مع كل موسم يمر دون حصاد.
مواسم بلا غلال
يقول مصطفى الفايز في ريف الحسكة الجنوبي، لم يعد يريد أن يزرع أرضه أو يحرثها في الموسم الفائت، الرجل الستيني، الذي أمضى عمره في زراعة القمح والشعير، قال لتفاصيل بريس: “الأرض عطشانة، والمازوت غالي، والبذار من السوق السودا.. من وين أزرع؟”.
ويشير إلى، أنه ليس وحده اتخذ القرار، بل ابنه وابن أخيه عزفوا عن الزراعة بسبب عدم توفر المحروقات، حيث يضيف، “بأن لتر المازوت الحر يشترونه بـ 5500 ليرة سورية، لأن هيئة الزراعة في الإدارة الذاتية لم تسلم قريتهم قرب الخابور حصصهم لهذا العام من المازوت، إضافة لغياب الدعم الكامل عن المزارعين”.
وتظهر تقديرات محلية، تراجع ملحوظ للمساحات المزروعة بنسبة تزيد عن 40% خلال الموسم الزراعي الأخير، مع انخفاض حاد في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية كالقمح، نتيجة انحباس الأمطار، وندرة الدعم الزراعي.
جفاف يهدد الحياة
شهدت المنطقة خلال السنوات الثلاث الماضية تراجعًا ملحوظًا في كميات الأمطار، ما أدى إلى جفاف الأراضي البعلية. ويقول المهندس الزراعي حسن سليمان: إن “التغيرات المناخية أصبحت واضحة، فموسم الأمطار بات أقصر وأكثر تذبذبًا، بينما الحرارة ترتفع عامًا بعد عام، دون وجود خطط واضحة للتكيف أو التخفيف من آثار الجفاف”.
وانعكس ذلك على الموارد المائية، إذ انخفض منسوب نهر الخابور إلى أدنى مستوياته ادى إلى جفاف كامل في النهر، الذي ينبع من تركيا والجانب التركي يتبع سياسات مائية أدت إلى جفاف الأنهار التي تمر بسوريا.
دعم غائب وأسعار تنهك الفلاحين
ورغم شدة الأزمة المناخية، يشير عدد من الفلاحين الذين قابلتهم تفاصيل بريس إلى أن الغياب شبه الكامل للدعم من قبل مؤسسات الإدارة الذاتية أو الحكومة السورية السابقة ساهم في تعميق المأساة.
فلا البذار متوفر بسعر مدعوم، ولا الأسمدة أو الوقود، بينما تُترك المحاصيل لمصيرها في السوق وسط تقلبات الأسعار، وعدم وجود جهة ضامنة للشراء.
قال المزارع عبد الكريم، من ريف القامشلي، في حديثه لتفاصيل بريس: “سعر الكيلو قمح بـ2500 ليرة، والتكاليف أكبر.. ما عم نربح، حتى نعيش بالعافية، كلمات قليلة تختصر واقعًا ثقيلًا يعيشه آلاف المزارعين في الجزيرة السورية، حسبما تحدث عبد الكريم حيث لم تعد الزراعة تغطّي حتى الحد الأدنى من التكاليف، ناهيك عن تحقيق أي ربح يُذكر”.
لكن المشكلة لم تبقَ محصورة في الجانب الاقتصادي فقط، بل انسحبت على البنية الاجتماعية بشكل لافت، فقد أدى الانهيار المستمر في القطاع الزراعي إلى موجات نزوح متزايدة من القرى نحو المدن أو حتى المخيمات، خصوصًا بين الشباب الذين وجدوا أنفسهم أمام مستقبل مسدود، مع أرض لم تعد تمنحهم ما يسدّ رمقهم.
وتُظهر بيانات محلية أن العشرات من القرى في جنوب الحسكة وشمال دير الزور فقدت ما يقارب 60٪ من سكانها خلال السنوات الخمس الماضية، ما ينذر بتحوّلات ديموغرافية خطيرة تهدد استقرار المنطقة وتفرّغها من طاقاتها المنتجة.


































































































