رصد بلال الخلف – تفاصيل برس
طرح تقرير مشترك للباحثَين محمد أبو العرب وناثان بروان في مركز كارنيغي للشرق الأوسط تساؤلات جوهرية حول إمكانية إطلاق مسار دستوري توافقي جديد في سوريا، في ظل الانقسامات العميقة وفقدان الثقة الذي يعصف بالمجتمع السوري بعد سنوات من الحرب والعنف.
ويرى الكاتبان أن المجتمع السوري لا يزال يعيش حالة صدمة، تتجلى في الخوف من التفكك السياسي، ما يدفع بعض الأطراف إلى التمسك بخيار “استعادة النظام فوراً”. غير أن هذه الرغبة، برأي التقرير، تجعل أي عملية توافقية في غاية الصعوبة.
وأشار التقرير إلى أنّ الإعلان الدستوري الأخير لم يقدم جديداً، بل زاد من مخاطر تهميش قوى رئيسية، ما قد يفضي إلى تفكك إضافي وصراع داخلي. كما انتقد منح الإعلان للرئيس سلطة مطلقة في تعيين قضاة المحكمة الدستورية، محذّراً من أن هذه المحكمة قد تتحول إلى مؤسسة معطلة بلا فاعلية، ما لم يُعاد تشكيلها على نحو يعكس التنوع السوري ويمنحها صلاحيات حقيقية في مراجعة النصوص الدستورية.
رؤية بديلة
ويطرح التقرير رؤية بديلة تقوم على استخدام سلطة التعيين من قبل الرئاسة المؤقتة كأداة لفتح مسار توافقي جذاب، يستقطب القوى التي ارتابت من الطابع الرئاسي المهيمن على العملية الدستورية. وفي هذا السياق، يمكن تحويل المحكمة الدستورية من مشكلة إلى حل، عبر صياغة مبادئ أساسية جامعة، وتأسيس محكمة تمثل مختلف مكونات المجتمع السوري.
ولفت الكاتبان إلى تجارب دولية متباينة: ففي جنوب إفريقيا، شكّلت المحكمة الدستورية محور الانتقال من نظام الفصل العنصري إلى الديمقراطية، وأسهمت في صياغة واحد من أكثر الدساتير تقديراً على مستوى العالم. بالمقابل، شكّل المثال المصري تجربة سلبية في نظر العديد من الإسلاميين، إذ اعتُبرت المحكمة الدستورية هناك أداة لتقييد مكتسباتهم. إلا أن السياق السوري، برغم تعقيداته، قد يجعل من وجود محكمة دستورية عليا مستقلة ضمانة حتى للتيارات الإسلامية ذاتها، لأنها تضمن لهم دولة متماسكة إذا وصلوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع.
تقديم تنازلات
ويؤكد التقرير أن نجاح أي عملية دستورية سورية لن يكون ممكناً من دون قناعة القوى السياسية والمجتمعية والمسلحة بأن التسوية الدستورية تخدم مصالحها المباشرة، وأن مكاسب بناء مؤسسات شرعية وفاعلة تتفوق على مكاسب أي نظام مفروض بالقوة. وهذا يفترض من القيادة الجديدة استعداداً لتقديم تنازلات حقيقية وتجنب إعادة إنتاج دكتاتورية مغطاة بخطاب أيديولوجي جديد.
ويخلص الباحثان إلى أن المزج بين القانون والسياسة هو مفتاح أي مسار ناجح: فحين تُترجم الصراعات السياسية إلى نصوص قانونية واضحة وإجراءات مقبولة من الجميع، يزداد احتمال نجاح العملية الدستورية. ويرى التقرير أن “أفضل آمال سوريا” قد تكمن في اكتشاف رصيد غير مستغل من الثقة والقدرة على التفاوض بين مكوناتها المختلفة، بما يفتح نافذة ثانية أمام تسوية تاريخية، وإن بدت بعيدة المنال.


























































































