رزق العبي – تفاصيل برس – دمشق
في مشهدٍ سوري مثقل بالاستقطاب والانقسامات الحادة، حيث تُستَخدم الهويات أحياناً وقوداً للصراع، وتُزاح القضايا الوطنية الجامعة لصالح اصطفافات ضيقة ومشاريع متناحرة، تبرز من شرق الفرات نماذج نسوية كسرت هذا المسار، وقدّمت السياسة بوصفها فعلاً وطنياً وأخلاقياً قبل أن تكون موقعاً أو خطاباً.
امرأتان من خلفيتين قوميتين مختلفتين، عربية وكردية، لكنهما التقتا على جوهر واحد: سوريا بوصلتهما، والحق خيارهما، والكرامة الوطنية سقفهما الذي لا يقبل المساومة.
التجربة الأولى هي تجربة كنانة خلف الكردي، المرأة العربية التي دخلت دهاليز العمل السياسي مبكراً، واستمرت فاعلة في الحقلين السياسي والإعلامي على مدار أربعة عشر عاماً. لم يكن حضورها عابراً، ولا صوتها هامشياً في ضجيج المشهد السوري، بل شكّلت نموذجاً للمرأة القادمة من الشرق السوري، التي جمعت بين وضوح الموقف وصلابة الكلمة، وبين القدرة على المواجهة دون انزلاق إلى الشعبوية أو التفريط بالثوابت.
واجهت كنانة حملات تشويه واستهداف ممنهجة، في سياق لا يرحم من يخرج عن القوالب الجاهزة أو يرفض الاصطفاف الأعمى، لكنها بقيت متمسكة بهويتها العربية الأصيلة، وبقيمها الاجتماعية والثقافية، رافضةً أن تتحول الضغوط السياسية أو الشخصية إلى مبرر للتنازل أو المساومة على القضايا الوطنية الكبرى.
كونها ابنة شهيد، ومعتقلة سابقة، وأم لطفلين، ومطلقة، لم يكن تفصيلاً عابراً في مسيرتها، بل تجربة ثقيلة الكلفة على المستويين الشخصي والوطني. غير أنها لم تحوّل هذه المعاناة إلى خطاب شكوى أو استدرار عاطفي، بل إلى فعل سياسي منظم، يقوم على تحويل الألم إلى مشروع، والخسارة إلى وعي.
ومن هذا المنطلق، أطلقت مشروع “فجر المشرق” كمبادرة وطنية تسعى إلى توحيد القيادات العسكرية والإنسانية والسياسية والإعلامية في المنطقة الشرقية من سوريا، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أخطر ما يواجه أي مشروع وطني هو التفكك، وأن وحدة الرؤية والهدف شرط أساسي لبناء الدولة واستعادة المعنى الحقيقي للسياسة بوصفها خدمة للصالح العام.
في المقابل، يبرز صوت كردي وطني لا يقل وضوحاً وصلابة، هو صوت الدكتورة فاتن، السياسية والإعلامية، وابنة الشهيد، التي اختارت الهوية السورية إطاراً جامعاً، وقدّمتها على أي خطاب قومي مغلق أو إقصائي. مثّلت الدكتورة فاتن وجهاً سياسياً وإعلامياً للأكراد الأحرار، أولئك الذين يرون في سوريا وطناً يتّسع لجميع أبنائه، لا ساحة صراع لمشاريع الهيمنة أو العزل.
ومن موقعها كمديرة لمنظمة “بلا قيود”، عملت على تفكيك القيود الفكرية والسياسية التي كبّلت النقاش العام، وربطت القضية الكردية بمفهوم العدالة الوطنية الشاملة، بعيداً عن العزلة أو الارتهان لمشاريع خارجية. أكدت في خطابها وممارستها أن الحقوق تُصان داخل الدولة لا خارجها، وأن قوة أي مكوّن وطني تنبع من اندماجه في مشروع وطني جامع، لا من انغلاقه خلف أسوار الهويات الضيقة.
ورغم اختلاف الخلفيتين القوميتين، تتقاطع التجربتان في نقاط جوهرية:
كلتاهما ابنتا شهداء، دفعتا ثمن الموقف، واجهتا التشويه بدل الصمت، واختارتا الانتماء الوطني الجامع بديلاً عن الهويات المتصارعة، في مرحلة سورية شديدة الحساسية، خصوصاً بعد سقوط النظام البائد وما رافقه من فراغ سياسي وصراع على تعريف المستقبل.
إن استحضار هاتين التجربتين لا يأتي في سياق الاحتفاء بالأشخاص بقدر ما هو قراءة سياسية لدور المرأة السورية بوصفها فاعلاً حقيقياً في معركة الوعي وبناء الدولة. فالسياسة، في معناها الأعمق، ليست صخباً إعلامياً ولا استعراضاً خطابياً، بل موقفاً أخلاقياً، وصبراً طويلاً، وإيماناً راسخاً بأن صوت الحق قد يتأخر، لكنه لا يغيب.
وفي زمنٍ تحتاج فيه سوريا إلى الجسور لا المتاريس، وإلى الرؤى الجامعة لا المشاريع الإقصائية، تؤكد هذه النماذج أن من شرق الفرات يمكن أن تشرق رؤى وطنية قادرة على تجاوز الجراح، وإعادة الاعتبار لفكرة سوريا الواحدة، العادلة، التي لا تُقصي أبناءها، بل تحتضنهم جميعاً.



























































































