كنانة خلف الكردي – تفاصيل برس
في النزاعات المركّبة والبيئات الانتقالية، لا تكمن الإشكالية الأساسية غالباً في غياب الخطاب السياسي، بل في غياب الالتزام العملي به. فالفجوة بين القول والفعل تصبح، في مثل هذه السياقات، معياراً حاسماً للحكم على صدقية أي فاعل سياسي. ومن هذا المنطلق، تبرز «قسد» كنموذج دالّ على التناقض المتزايد بين خطاباً سياسياً مُعلناً، وممارسةً ميدانيةً تُناقضه بصورة منهجية.
تُقدّم «قسد» نفسها في خطابها العلني كفاعلٍ منفتح على الشراكة الوطنية، ومؤمن باللامركزية، وحريص على التعددية المجتمعية وحقوق المكوّنات. غير أن هذا الخطاب، عند اختباره في الواقع العملي، يصطدم بسلوكٍ مختلف تماماً، يقوم على احتكار القوة، وتضييق المجال العام، وإدارة المناطق الخاضعة لسيطرتها بعقلية أمنية صارمة، لا سياسية ولا مدنية ولا إنسانية.
هذا التناقض لم يعد تفصيلًا عابراً أو خللاً ظرفياً، بل بات سمةً بنيويةً في طبيعة هذا الفاعل، تُفرغ الخطاب السياسي من مضمونه، وتحوله إلى أداة تواصل خارجي أكثر منه التزاماً داخلياً.
من وجهة نظري، لا يمكن فهم هذا التناقض بمعزل عن الطبيعة التأسيسية لقسد بوصفها قوةً عسكرية–أمنيةً قبل أي اعتبار سياسي. فعلى الرغم من محاولاتها المتكررة تسويق نفسها كفاعل سياسي محلي، لم تنجح حتى اليوم في إحداث انتقالٍ جديٍّ من منطق «إدارة السيطرة» إلى منطق «إدارة السياسة».
فالتفاهمات التي تُعلن، والمبادرات التي تُطرح، غالباً ما تبقى في إطار الرسائل الإعلامية أو المناورات التكتيكية، دون جداول زمنية واضحة، أو آليات تنفيذ، أو استعداد حقيقي لتغيير قواعد السلوك على الأرض. ويُعد عدم الالتزام باتفاق العاشر من آذار – الذي بات منتهي الصلاحية ومنعدم التطبيق فعلياً – مثالاً واضحاً على هذا النهج، حيث غاب التنفيذ، وتآكلت الضمانات، وبقي الاتفاق حبراً على ورق.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الممارسة لا يقتصر أثره على تعطيل الاتفاقات، بل يراكم فقدانًا عميقًا للثقة، ليس فقط لدى المجتمعات المحلية الخاضعة لسلطة الأمر الواقع، بل أيضاً لدى بقية الفاعلين السياسيين السوريين.
وفي علم السياسة، لا تُعدّ الثقة قيمةً أخلاقيةً أو مطلبًا مثاليًا، بل شرطًا وظيفيًا لأي عملية تفاوض جادة. وحين تُفقد هذه الثقة، يتحول الحوار إلى مجرد أداة لشراء الوقت، أو إدارة الضغط الدولي، بدل أن يكون مدخلًا لتسوية مستدامة.
إن المجتمعات التي تُطالَب بالانخراط في مسارات سياسية، دون أن ترى انعكاساً فعلياً لذلك في حياتها اليومية، تفقد تدريجياً الإيمان بأي خطابٍ إصلاحيٍ، وتدخل في حالة اغتراب سياسي واجتماعي، تُغذّي بدورها مزيداً من الهشاشة وعدم الاستقرار.
إن استمرار «قسد» في الجمع بين خطابٍ مدنيٍ وممارسةٍ سلطويةٍ لا يسهم في تحقيق الاستقرار، بل يعيد إنتاج الأزمة السورية بأشكال جديدة، وإن اختلفت الأدوات والشعارات. فالدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالقوة وحدها، ولا يمكن لأي فاعل غير دولتي أن يتحول إلى شريك سياسي حقيقي ما لم يقبل بقواعد العمل المؤسسي، والمساءلة، والتعددية الفعلية.
ولهذا، فإن الرهان على أي مسار سياسي لا يُقابَل بتغيير حقيقي في السلوك العملي، يظل رهاناً هشّاً، سرعان ما يصطدم بجدار الواقع.
ختاماً، أرى أن الإشكالية الجوهرية مع «قسد» لا تكمن في اللغة التي تستخدمها، ولا في الشعارات التي ترفعها، ولا في الحديث عن حقوق الكرد بوصفها قضية عادلة في جوهرها، بل في غياب الالتزام البنيوي بتحويل هذا الخطاب إلى ممارسة سياسية مسؤولة.
فأي حديث جديّ عن دور سياسي مستقبلي لهذا الفاعل يظل مشروطًا بقدرته على التخلي عن منطق القوة كأداة حكم، والقبول بقواعد العمل السياسي ضمن دولة سورية موحّدة ومتماسكة، تقوم على المواطنة لا على الأمر الواقع.
دون ذلك، ستبقى «قسد» جزءاً من الأزمة السورية، مهما حاولت تقديم نفسها بوصفها جزًءا من الحل، بل وقد تتحول – بحكم ممارساتها – إلى أحد أبرز عوامل إعادة إنتاج الانقسام والانفصال في بلدٍ خرج لتوّه من نظامٍ دكتاتوري حكم طويلاً بسلطة القوة وواجهة الأقلية.



























































































