كنانة خلف الكردي – تفاصيل برس
لم يكن الاستهانة بالوطن أمراً عابراً، ولا الاستخفاف بالشعب تفصيلاً هامشياً، لكن الأخطر هو الاستهانة بمكوّنٍ أصيل من مكوّنات البلاد: الكرد السوريون. فحين تُختطف قضية عادلة على يد تنظيم مسلح، وتُسخّر لخدمة أجندات خارجية، تتحول الحقوق إلى رهائن، ويتحول السلاح من وسيلة دفاع إلى أداة فرضٍ وإكراه.
لا يمكن قراءة مشهد قسد بمعزل عن الدور الإيراني. فإيران كانت – ولا تزال – أحد أكبر الممولين والداعمين للتنظيم القنديلي، المستفيد الأول من بقاء ثغرة جغرافية وسياسية تسمح لها بإعادة التغلغل في سورية. كل فراغ تتركه الدولة، تحاول طهران أن تملأه. وكل سلاح خارج الشرعية، يمثل لها فرصة نفوذ جديدة.
لكن المعادلات تتغير. الدعم الخارجي لقسد بدأ يتراجع فعلياً، لأن أي تدخل دولي مباشر سيحوّل الساحة السورية إلى حلبة صراع مفتوح بين القوى الكبرى. العالم اليوم لا يريد حرباً جديدة، بل يريد تسوية تُنهي النقاط السوداء العالقة على خريطة المنطقة.
من هنا جاءت اتفاقية العاشر من آذار، كورقة أخيرة للحل السلمي. حاولت الحكومة السورية أن تستخدم الرمق السياسي المتبقي لإنهاء التنظيم عبر الحوار، لا عبر المدافع. لكن الاتفاق بقي منذ لحظته الأولى في حالة جمود تنفيذي، بسبب تفسير قسد له بمنطقٍ مطاطي: كسب الوقت، ترسيخ الأمر الواقع، والمراهنة على إنهاك الطرف الآخر حتى يرضخ. وهذا منطق لا يمكن أن يُبنى عليه وطن.
الموقف التركي واضح في دعمه لوحدة سورية ورفض أي كيان مسلح خارج الدولة. والموقف الأمريكي – رغم تعقيداته – بات أقرب إلى دعم فكرة الدولة الواحدة الموحدة. أما الأطراف التي لا تصنع حواراً جدياً، فهي تدفع الأمور نحو خيارٍ لا يرغب به السوريون: الصدام.
السوريون لا يريدون إراقة الدم. يريدون دولة حديثة، موحدة، بجيش واحد، وسلطة واحدة، وقانون واحد. لا يمكن لدولة أن تقوم وفي داخلها جيشان، أو سلطتان، أو مشروعان متناقضان. هذا مبدأ بديهي في علم بناء الدول.
والشارع الكردي نفسه غير متفق مع قسد. الكرد أهل الأرض، أهل الشراكة، أهل التاريخ المشترك. لا خلاف بينهم وبين بقية السوريين في الدين والعادات والدم والمصير. المجلس الوطني الكردي كان واضحاً منذ البداية: الحقوق تُنال بالحوار السياسي، لا بفرض السلاح. لا مشكلة في طرح أي رؤية، لكن تحويل السلاح إلى أداة لفرض المطالب أمرٌ مرفوض أخلاقياً ووطنياً.
تجربة الشيخ مقصود والأشرفية أثبتت أن الدولة حين تدخل بعقلٍ بارد وإدارة منضبطة، يمكن حماية المدنيين وتحييد الكارثة. كانت واحدة من أنظف العمليات الأمنية وأكثرها انضباطاً، وهذا نموذج لما يمكن أن يكون عليه الحل في الملفات الشائكة حين تتكامل الجهود العسكرية والمدنية والعشائرية.
لكن يبقى الخطر الأكبر: استخدام المدنيين كدروع بشرية. هذا نهج معروف لدى قسد، وقد شهدته المنطقة مراراً. ومع ذلك، تبقى أولوية الدولة حماية المدنيين، لأن الإنسان هو جوهر أي مشروع وطني.
الفكرة المركزية اليوم واضحة: لا مطالب سياسية تُفرض بالسلاح. الحقوق تُنتزع بالحوار. المواطنة تُبنى بالشراكة. الدولة لا تتسع إلا لجيش واحد. والاندماج في وزارة الدفاع هو الطريق الطبيعي لأي قوة تريد أن تكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة.
أما إيران، فهي تدخل مرحلة ضعف استراتيجي غير مسبوق. وإذا دخلت حرب استنزاف قادمة، فلن تكون قادرة على حماية أذرعها. عندها ستجد قسد نفسها بلا ضامن، وبلا حاضنة، وبلا أفق. وهذه حقيقة سياسية لا يمكن تجاهلها.
العشائر اليوم تعاني. مطلبها بسيط: إنهاء هذا التنظيم، والعودة إلى الأرض، وإلى الحياة الطبيعية. لا تطلب أكثر من ذلك.
في الخلاصة: الضوء الأخضر الدولي يتجه نحو إغلاق ملف التنظيمات المسلحة الخارجة عن الدولة. لا يريد العالم بقاء نقطة سوداء على الخريطة السورية. وإذا فشل الحل السلمي، ستجد الدولة نفسها مضطرة لاتخاذ القرار الصعب، لأن بقاء الفوضى أخطر من كلفة إنهائها.
الإنهاء ليس هدفاً بحد ذاته، بل طريقٌ نحو السلام. والسلام لا يولد إلا من دولةٍ واحدة، بقرارٍ واحد، وسلاحٍ واحد، وإرادة شعبٍ واحد




























































































