رزق العبي – رئيس التحرير في تفاصيل برس
إذا كانت الأخبار الكاذبة قد وجدت في الفضاء الرقمي بيئتها المثالية للانتشار، فإن المجتمع نفسه هو المساحة التي تتجسد فيها آثارها الحقيقية. فالتضليل لا يبقى حبيس الشاشات، بل يتسلل سريعاً إلى الشارع، وإلى الأحاديث اليومية، وإلى القرارات الفردية، ليصبح جزءاً من الواقع المعيش، لا مجرد محتوى عابر.
من هنا، فإن أي مقاربة جدية لهذه الظاهرة لا يمكن أن تتجاهل دور الوعي الشعبي بوصفه خط الدفاع الأول، أو الحلقة الأضعف في آنٍ معاً.
في الحالة السورية، يتداخل الوعي مع الإرهاق. سنوات الحرب الطويلة، وما رافقها من صدمات متتالية، خلقت حالة نفسية جماعية تميل إلى الشك والخوف والترقب الدائم.
هذا الإرث الثقيل يجعل المتلقي أكثر حساسية تجاه الأخبار السلبية، وأكثر ميلاً لتصديق ما يعزز قلقه، حتى وإن افتقر إلى الدليل. فالشائعة لا تنتشر لأنها مقنعة دائماً، بل لأنها تلامس هواجس قائمة، وتخاطب مشاعر متراكمة لم تجد طريقها إلى المعالجة.
وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً مركزياً في هذا التحول. فهي لم تعد مجرد منصات للتعبير، بل أصبحت فضاءً بديلاً للإعلام، تُنتج فيه الأخبار وتُستهلك وتُعاد صياغتها في الوقت نفسه.
في هذا الفضاء، يختفي الفاصل بين الناقل والمتلقي، ويغدو كل مستخدم مشروع “محرر” أو “مراسل”، من دون أدوات مهنية أو ضوابط أخلاقية. ومع غياب ثقافة التحقق، تتحول المشاركة إلى فعل تلقائي، تحكمه العاطفة أكثر مما يحكمه العقل.
الأخطر من ذلك أن الشائعة غالباً ما تُكافأ رقمياً. فالمحتوى المثير يحصد تفاعلاً أعلى، ويمنح ناشره شعوراً بالتأثير أو الأهمية، ما يشجع على مزيد من النشر غير المسؤول.
وهكذا تدخل الأخبار الكاذبة في حلقة تغذية ذاتية، تتوسع مع كل تعليق ومشاركة، وتُنتج واقعاً موازياً يصعب تفكيكه لاحقاً، حتى بعد ظهور الحقيقة.
غير أن تحميل الفرد وحده مسؤولية هذا الواقع يبقى تبسيطاً مخلّاً. فضعف الوعي الإعلامي ليس خياراً شخصياً دائماً، بل نتيجة تراكم طويل من غياب التربية الإعلامية، وندرة النقاش العام حول كيفية استهلاك الأخبار، وافتقار المؤسسات التعليمية والثقافية إلى برامج جادة تعالج هذا التحول العميق في طبيعة المعرفة. في ظل هذا الغياب، يصبح المواطن مكشوفاً أمام سيل من المعلومات المتناقضة، من دون بوصلة واضحة للتمييز.
في المقابل، يظل الوعي الشعبي عنصراً حاسماً يمكن البناء عليه. فالمجتمع الذي خبر الكلفة الباهظة للشائعات خلال سنوات الحرب، قادر، إذا ما توفرت له الأدوات، على تطوير مناعة ذاتية ضد التضليل.
هذه المناعة لا تقوم على المنع أو التخويف، بل على ترسيخ أسئلة بسيطة لكنها جوهرية: من المصدر؟ ما الدليل؟ ولماذا يُنشر هذا الخبر الآن؟ أسئلة قد تبدو بديهية، لكنها غائبة في لحظات الانفعال والضغط.
إن مسؤولية مواجهة الأخبار الكاذبة تبدأ من إعادة الاعتبار لفكرة أن المعلومة ليست ملكاً خاصاً، بل شأناً عاماً. نشر خبر غير دقيق لا يضر بشخص واحد، بل ينعكس على المجتمع بأكمله، وعلى استقراره، وثقته، وقدرته على التماسك. من هنا، فإن الامتناع عن المشاركة قد يكون أحياناً موقفاً أكثر مسؤولية من أي تعليق أو تفاعل.
هذا الدور الشعبي لا يلغي الحاجة إلى أطر أوسع تضبط المشهد، لكنه يشكل الأساس الذي تُبنى عليه أي سياسة إعلامية أو قانونية لاحقة.
فالقانون، مهما كان صارماً، لا يستطيع ملاحقة كل شائعة، والإعلام، مهما كان مهنياً، لا يستطيع وحده منافسة سرعة التضليل. وحده الوعي الجمعي القادر على إبطاء انتشار الكذب، وتقليص أثره، وتحويله من ظاهرة مهيمنة إلى سلوك هامشي.
في المقال القادم، يفرض البعد القانوني نفسه كجزء لا يمكن تجاهله من هذه المعركة، بما يحمله من إشكاليات دقيقة تتعلق بالتوازن بين حماية المجتمع وصون الحريات، وبين الردع المشروع وخطر التوسع في التقييد.
وهو نقاش لا يقل حساسية عن أي نقاش آخر، في بلد يسعى إلى ترميم ثقته بنفسه وبمستقبله.


























































































