كنانة خلف الكردي – تفاصيل برس
لم تعد سورية تعيش زمن الأزمات المؤجلة، بل دخلت طور الحسم التاريخي. ما يجري اليوم في الشرق ليس مجرد تصعيد عسكري عابر، بل هو المخاض الأخير لولادة الدولة السورية الكاملة السيادة. فكما أن كل ولادة تسبقها آلام فاصلة، تمرّ سورية الآن بلحظة فاصلة بين زمن التشظّي وزمن استعادة الجسد الوطني الواحد.
طوال السنوات الماضية، شكّلت منطقة شرق الفرات مساحة رمادية: سلطة أمر واقع، تنظيم مسلح خارج بنية الدولة، دعم خارجي متبدل الحسابات، وموارد وطنية معطلة عن دورها الطبيعي. تنظيم قسد لم يكن مجرد قوة محلية، بل أداة وظيفية في فراغ استراتيجي صنعته الحرب. لكن الفراغ لا يدوم، والدول لا تقبل أنصاف السيادة.
اليوم، تبدو العملية العسكرية الجارية كـ الخيار الأخير بعد استنفاد مسارات السياسة والتفاهمات المؤقتة. الرسالة واضحة: لا مستقبل لكيانات موازية داخل الدولة، ولا شراكة خارج إطار المؤسسات الوطنية. إنها لحظة إنهاء الاستثناء السوري في الشرق.
من منظور استراتيجي، المعركة لا تُقاس فقط بخريطة السيطرة، بل بثلاثة تحولات كبرى:
أولاً: إنهاء الاقتصاد الموازي
شرق سوريا يحوي شرايين الطاقة والزراعة والمياه. عودتها لسلطة الدولة يعني إعادة تشغيل القلب الاقتصادي للبلاد، وإغلاق باب الابتزاز السياسي المرتبط بالموارد.
ثانياً: إعادة دمج المكوّن الكردي في المعادلة الوطنية
الرهان الحقيقي ليس كسر المكوّن، بل فصل التنظيم المسلح عن المجتمع الكردي السوري، وإعادته إلى موقعه الطبيعي كشريك في الدولة لا كوظيفة خارجها.
ثالثاً: إسقاط ورقة النفوذ الخارجي
كل قوة دولية استخدمت قسد كورقة ضغط ستجد نفسها أمام واقع جديد: دولة تستعيد أرضها بإرادتها، لا عبر تفاهمات مؤقتة.
لهذا يمكن وصف ما يجري بأنه ولادة سوريا من الشرق. شرقٌ كان بوابة للتمزق، وقد يصبح بوابة لإعادة التوازن الوطني. فحين تعود الحدود، والموارد، والمؤسسات إلى مركز الدولة، تنتقل سورية من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء الدولة.
لكن هذه الولادة، ككل ولادة، تحتاج إلى حكمة في اليوم التالي. فالمعركة العسكرية وحدها لا تكفي؛ المطلوب مشروع سياسي يستوعب الناس، يطوي آثار الحرب، ويؤسس لعقد وطني جديد لا مكان فيه للسلاح خارج الشرعية.. إنها لحظة تاريخية لآخر مراحل الولادة.


























































































