تفاصيل برس – رصد
لم تعد الأزمة في السويداء محصورة في بعدها الأمني أو السياسي، بل باتت تتخذ طابعًا اجتماعيًا عميقًا يهدد البنية الداخلية للمجتمع، وينذر بتداعيات طويلة الأمد تتجاوز حدود المحافظة. فالفوضى الأمنية التي نتجت عن تحكّم مجموعات خارجة عن القانون بمفاصل الحياة العامة، واعتمادها على أنشطة اقتصادية غير مشروعة ومصادر تمويل خارجة عن أي إطار قانوني أو أخلاقي، لم تُنتج فقط حالة انفلات أمني، بل أطلقت سلسلة من التحولات الاجتماعية الخطيرة التي بدأت تضرب في عمق العلاقات الأسرية والنسيج المجتمعي.
هذه التحولات لا تتجلى فقط في تزايد الظواهر الاجتماعية السلبية من تعاطي المخدرات، وارتفاع معدلات الطلاق، وجرائم القتل والخطف والسرقة والتحرش، بل تمتد إلى مستويات أخطر، تتمثل في تفكك علاقات القربى، وانهيار منظومات الضبط الاجتماعي، وتراجع الإحساس بالأمان المجتمعي، وصولًا إلى تغييرات تطال منظومة القيم والثقافة الاجتماعية، وتهديد السلم الأهلي، وتقويض مفاهيم التعايش المشترك، بل وفتح الباب أمام تحولات ديمغرافية قسرية. وكل ذلك يشير بوضوح إلى بداية تصدّع في البنية الاجتماعية للسويداء، التي عُرفت تاريخيًا بتماسكها.
فالسويداء، عبر قرون طويلة، شكّلت نموذجًا لمجتمع متنوع استطاع التعايش ضمن منظومة أعراف وتقاليد متجذرة، جمعت بين الدروز والبدو والمسيحيين والسنة، في إطار اجتماعي فرضته طبيعة الحياة القاسية في جبل العرب والبادية المحيطة. هذا التفاعل التاريخي أنتج تشابكًا ديمغرافيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، جعل المجتمع أكثر قدرة على تجاوز الأزمات والاهتزازات، التي كانت غالبًا نتاج عوامل خارجية، ويتم احتواؤها عبر حلول عرفية واجتماعية متوافق عليها.
غير أن هذا التماسك بدأ يتعرض لاهتزازات متسارعة منذ سنوات، وتحديدًا منذ عجز النظام المخلوع عن مواجهة الثورة السورية عام 2011، حين لجأ إلى سياسات ممنهجة لتفتيت البنى الاجتماعية في المناطق الخارجة عن سيطرته. ولم يكن الهدف آنذاك إضعاف الحاضنة الشعبية للثورة فحسب، بل العمل على تفكيك المجتمع من الداخل عبر تشكيل مجموعات مسلحة، رُوّج لها بوصفها أدوات حماية، بينما كانت في جوهرها أذرعًا أمنية واقتصادية، تمارس أنشطة غير مشروعة تموّل النظام وعصاباته، وتضرب في الوقت نفسه أسس المجتمع وقيمه.
ومع سقوط النظام المخلوع نهاية عام 2024، كان من المتوقع أن تنحسر هذه الظواهر، إلا أن الواقع أظهر العكس. إذ تنامت نشاطات تلك الجماعات، وتحوّلت من مجرد مجموعات تستفيد من اقتصاد الظل، إلى قوى مسيّسة تسعى لفرض أمر واقع جديد، وتبرّر وجودها بمواجهة عدو خارجي أو داخلي مفترض، بينما تعمل فعليًا على تدمير البنية الاجتماعية الأصيلة، وتهيئة الأرضية لبنية بديلة تضمن استمرار نفوذها وتحكّمها.
من أخطر مظاهر هذا التحول، تفشي آفة المخدرات في أوساط الشباب، سواء على مستوى التعاطي أو الاتجار. فالبطالة والحاجة المادية دفعت أعدادًا متزايدة من الشبان للانخراط في هذه المجموعات، التي غلّفت نشاطها بشعارات حماية العائلة والعشيرة والمجتمع. وتم استخدام أساليب متعددة لاستدراجهم، من جلسات تعاطٍ منظمة، إلى توزيع مهدئات، أو استقطابهم عبر المقاهي ونقاط الحراسة، خاصة في محيط مراكز الإيواء. ومع الوقت، تحوّل كثير من هؤلاء إلى مدمنين، جرى توظيفهم في تجارة الممنوعات والأعمال الإجرامية لتأمين المال اللازم لتغطية احتياجاتهم المتزايدة.
هذا الواقع انعكس بوضوح على السلوكيات الاجتماعية، حيث باتت لغة العنف والسلاح حاضرة في التعامل اليومي، وتراجع تأثير الأسرة والمدرسة، وانتشرت ثقافة تبريرية خطيرة تقلل من شأن التعاطي، وتحوّله إلى ممارسة شبه طبيعية. وتشير شهادات عديدة من الأهالي إلى ازدياد حالات الإدمان بين الشباب والفتيات منذ نهاية عام 2024، مع ما يرافق ذلك من تدهور صحي ونفسي، وانخراط في سلوكيات عدوانية وإجرامية.
ولم تتوقف التداعيات عند هذا الحد، بل امتدت إلى مراكز الإيواء، التي يُخشى أن تتحول، في ظل الإحباط واليأس من الحلول القريبة، إلى بيئات حاضنة لتعاطي المخدرات، وما يرافق ذلك من اضطرابات نفسية كالاكتئاب والوسواس القهري، التي أدت بالفعل إلى حالات انتحار مروعة، جرى في كثير من الأحيان تسجيلها كحوادث سوء استخدام للسلاح.
وفي موازاة ذلك، شهدت السويداء خلال العام الماضي ارتفاعًا مقلقًا في جرائم القتل المرتبطة بتعاطي المخدرات، إلى جانب تفشي ظواهر أخرى تهدد البنية الأسرية، مثل ازدياد حالات الطلاق، خاصة في مراكز الإيواء، نتيجة الضغط المعيشي، والاكتظاظ، وسوء استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وتراجع دور الضبط الأسري والاجتماعي.
كما برزت سلوكيات لا أخلاقية كانت في السابق حالات فردية معزولة، لكنها باتت اليوم أكثر انتشارًا وعلنية، لا سيما في بعض الأحياء التي خرجت عن الرقابة المجتمعية، نتيجة سيطرة مجموعات مسلحة عليها، وغياب أي مساءلة. وتشير مصادر أهلية إلى أن الحاجة المادية، والإدمان، وغياب الأمان، أسهمت في تفشي هذه الظواهر، إلى جانب استغلال بعض النساء عبر الابتزاز الإلكتروني، وتجارة الصور الفاضحة، وما نتج عن ذلك من فضائح اجتماعية وجرائم شرف.
في السياق ذاته، يُلاحظ ازدياد التنمر والعنف المجتمعي، وتصاعد الخلافات العائلية، وحدوث اعتداءات وخطف واعتقالات خارج أي إطار قانوني، غالبًا بحق من يعبّر عن موقف معارض لممارسات هذه المجموعات أو ينتقد مشاريعها. وقد ترافق ذلك مع موجات تهجير واسعة، طالت نحو 190 ألف شخص من قرى المقرن الغربي والشمالي منذ تموز الماضي، في سياق صراعات مسلحة وعمليات انتقام متبادلة، أدت إلى أزمة إنسانية معقدة، فاقمتها عرقلة عودة المهجرين، ورفض أي مبادرات للحل.
إن أخطر ما تواجهه السويداء اليوم هو هذا التصدّع المتسارع في بنيتها الاجتماعية، الناتج عن تفكك منظومات الضبط، وانتشار السلاح، وتغييب العقول الراجحة التي كانت تلعب دورًا محوريًا في احتواء الأزمات. فقد جرى تهميش هذه الأصوات، وتخوينها، وبث الخوف في محيطها، ما أدى إلى حالة من الرهاب الجماعي، واستلاب الوعي الجمعي، وفتح المجال أمام خطابات تحريضية تعمّق الشرخ بين مكونات المجتمع.
وتكشف الوقائع أن ثمة مسارًا ممنهجًا لتوسيع الانقسام الاجتماعي، خاصة بين الدروز والعشائر، عبر استدعاء خلافات قديمة جرى تجاوزها تاريخيًا، وإعادة إنتاجها في سياق صراعات تهريب ونفوذ، ما زجّ بالمجتمع في حالة توتر دائم، وأفشل محاولات الإصلاح والمصالحة.
وتزداد خطورة هذا المسار مع تصاعد خطاب إقصائي يرفض المصالحة وعودة المهجرين، ويبرّر التغيير الديمغرافي القسري، ويعمل على تدمير الهوية الوطنية الجامعة، واستبدالها بهويات فرعية أو عابرة للانتماء السوري، بما يهيئ البيئة لتدخلات وأجندات خارجية مشبوهة.
تقف السويداء اليوم أمام مفترق خطير. فاستمرار هذا المسار يعني مزيدًا من التفكك والانهيار الاجتماعي، بما يهدد المجتمع برمته. أما الخروج من هذه الحلقة، فيتطلب مواجهة الحقيقة بشجاعة، والعمل على معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، وفي مقدمتها استعادة دور الدولة، وبسط الأمن، وإعادة مؤسساتها، بما يتيح إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة السويداء إلى مكانها الطبيعي في حضن الوطن، مجتمعًا متماسكًا، متنوعًا، وقادرًا على استعادة توازنه ودوره الوطني.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)






























































































