تفاصيل برس – رصد
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها سوريا، تتبلور ملامح مرحلة جديدة يبدو أنها تسعى إلى إعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمكونات التي كانت خارج إطارها خلال سنوات النزاع. ويأتي تصريح المبعوث الأميركي إلى سوريا، توماس باراك، عن “انتهاء دور قسد”، كأحد أبرز المؤشرات على تحوّل استراتيجي في المشهد السياسي والعسكري، وهو إشارة إلى إعادة تموضع أوسع في السياسة الأميركية تجاه الملف السوري.
تحوّلات مدروسة لا عشوائية
يرى الباحث في الشؤون الاستراتيجية، د. وائل مرزا، أن ما يجري ليس وليد اللحظة، بل يعكس تنفيذًا دقيقًا لاستراتيجية أميركية-سورية مشتركة بدأت تتبلور مع بدء التفاهمات الثنائية، التي تمثلت بدايةً برفع العقوبات، وفي مقدمتها “قانون قيصر”، لتتطور نحو شراكة أمنية أوسع في مواجهة التحديات الإقليمية.
ويصف مرزا هذه المرحلة بأنها “تنظيف استراتيجي” يهدف إلى سحب الملفات الأمنية والعسكرية من أيدي الجماعات الموازية، سواء في الشمال الشرقي أو في الجنوب، وإعادتها إلى المؤسسات الرسمية، من خلال سياسة تقوم على التخيير بين الدولة أو العدم. وهي سياسة، وإن بدت حاسمة، فإنها تتّسم بضبط إيقاع دقيق وهدوء في التنفيذ، في إطار تفاهمات أكبر تسعى إلى استقرار مستدام في المنطقة.
التحوّل في الموقف الأميركي تجاه “قسد” يأخذ طابعًا رسميًا، كما تشير وثيقة صادرة عن لجنة القوات المسلحة في الكونغرس الأميركي في أغسطس الماضي، والتي وجّهت وزارة الدفاع لتقديم إحاطة حول إمكانية بناء شراكة دفاعية مع الدولة السورية الجديدة. الوثيقة لا تطرح تساؤلًا بل تضع توجيهات واضحة، ما يدلّ على أن واشنطن باتت تنظر إلى دمشق كشريك محتمل، لا كخصم.
وبحسب مرزا، فإن التحركات الحالية، بما فيها إعادة تموضع قوات الجيش السوري وانتشاره في مناطق الجزيرة، وإعادة ترتيب المشهد في الجنوب، ليست سوى خطوات تمهيدية لضمان أن تكون مؤسسات الدولة هي المرجعية الوحيدة، ضمن مرحلة جديدة عنوانها “الاندماج الوطني بدل التشظي”.
واحدة من أكثر الإشارات دلالة على تغيّر المنهج الأميركي في التعامل مع الواقع السوري، تمثّلت في استقبال البيت الأبيض لرموز وطنية من السوريين الدروز، في خطوة فُسّرت على أنها دعم لمسار إدماج المجتمعات المحلية ضمن مشروع الدولة. هذه المقاربة تتماشى مع مسعى لتحويل “ملف الأقليات” من ورقة صراع إلى أداة لبناء الاستقرار، وإعادة الثقة بالدولة كحاضنة للجميع.
نهاية “قسد” بصفتها كيانًا موازياً
في موازاة ذلك، نقلت صحيفة “وول ستريت جورنال” عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن تدرس سحب قواتها من سوريا بعد التقدم الذي أحرزه الجيش السوري ضد “قسد”. وتشير مصادر أخرى إلى أن بعض قيادات “قسد” حاولت جر أطراف إقليمية إلى الصراع، مما قوبل بتحذيرات أميركية واضحة.
المبعوث الأميركي باراك أكّد أن التحول الجاري في دمشق يمثل فرصة تاريخية لدمج الأكراد ضمن مؤسسات الدولة، بما يكفل حقوقهم الثقافية والسياسية، بدلًا من الارتهان لقوى خارجية. هذا الطرح يمثل دعوة واضحة لـ”قسد” للانخراط في الدولة، لا خارجها.
يأتي ذلك في وقت، كشف فيه موقع “ميدل إيست آي”، الثلاثاء الماضي، أن المبعوث الأميركي إلى سوريا توم باراك اتهم قائد “قسد” مظلوم عبدي، بمحاولة جرّ كيان الاحتلال “الإسرائيلي” إلى الصراع الدائر في سوريا، وذلك خلال اجتماع عقد مؤخراً في أربيل قبل التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار في الثامن عشر من كانون الثاني الجاري.
ونقل الموقع عن مصادر دبلوماسية، أن باراك حذّر عبدي من أن أي محاولة لإشراك “إسرائيل” في الأزمة السورية من شأنها أن تزيد خطر الاحتكاك بين اثنين من أهم حلفاء واشنطن الإقليميين، تركيا وإسرائيل، وتجرّ المنطقة نحو الدمار، مشدّداً على خطورة هذا المسار وانعكاساته الإقليمية.
وأضاف الموقع أن المبعوث الأميركي وجّه انتقادات حادة لقوات “قسد” بسبب تعاملها مع المعطيات السياسية الجديدة في سوريا، معتبراً أنها لا تزال تتصرف وكأن النظام البائد هو من لا يزال يحكم البلاد رغم التغيير الجذري الذي شهدته الساحة السورية، مؤكداً في الوقت ذاته أن دمشق باتت شريكاً لواشنطن في مكافحة الإرهاب، ومشدداً على ضرورة الإسراع بتنفيذ اتفاق إدماج “قسد” ضمن الجيش السوري بدلاً من الارتهان للقوى الأجنبية، لأن التأخير في تنفيذ هذا الاتفاق يقوّض فرص الاستقرار ويعرقل الجهود المشتركة.
يتقاطع هذا التحوّل مع تصريحات لرئيس المجلس السوري الأميركي، فاروق بلال، الذي شدّد على أن واشنطن لن تمانع بسط سيادة الدولة السورية على كامل أراضيها، وأن استقرار سوريا شرط أساسي لاستقرار المنطقة ومكافحة الإرهاب.
ويُذكر أن الحوارات بين الحكومة السورية وممثلي “قسد” لم تتوقف، رغم تعثرها أحيانًا، بسبب هيمنة حزب “PKK” على القرار داخل التنظيم. ومع توقيع اتفاقات ميدانية لوقف إطلاق النار وبدء دمج المؤسسات في بعض المناطق، يبدو أن الطريق أصبح ممهدًا أكثر من أي وقت مضى لتفكيك الكيانات الموازية، وإعادة تشكيلها ضمن مؤسسات الدولة.
الأسابيع المقبلة ستكون حاسمة. فمع اقتراب موعد الإحاطة الأميركية في الكونغرس، يبرز سؤال محوري: هل نحن أمام مشهد شراكة استراتيجية جديدة بين دمشق وواشنطن، عنوانها الأمن والاستقرار؟ أم أن قوى محلية وخارجية ستسعى إلى عرقلة المسار؟
ما يبدو واضحًا أن الدولة السورية تعمل على “هندسة الأزمات” وليس فقط إدارتها، وتحاول إعادة الأطراف المختلفة إلى المركز، لا من خلال الهيمنة، بل من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها.
ربما لا تزال العقبات كثيرة، من تعقيدات الواقع الميداني، إلى حسابات الإقليم، لكن التحول الأهم أن “لحظة الحل” بدأت تفرض نفسها، لتحل محل “لحظة الصراع”.
كما أكد الرئيس دونالد ترامب، في تصريحاته مؤخراً، أن الأكراد حصلوا خلال السنوات الماضية على مبالغ مالية كبيرة وموارد نفطية وامتيازات أخرى، غير أن تحركاتهم كانت في كثير من الأحيان “لمصلحتهم الخاصة أكثر مما كانت لمصلحة الولايات المتحدة”.
وفي 16 كانون الثاني الحالي، أطلق الجيش السوري عملية ضد تنظيم “قسد” في مناطق غرب نهر الفرات، ووسعها إلى شرق الفرات، نتيجة خرق الأخير للاتفاقات الموقعة واستهدافه الدائم لمواقع الجيش والأحياء السكنية والمدنيين بالقناصات والرشاشات الثقيلة والطائرات المسيرة.
وكان الرئيس الشرع وقّع، يوم الأحد، على بنود اتفاق مع “قسد”، يقضي بوقف كامل لإطلاق النار ودمج المؤسسات المدنية والعسكرية ضمن الحكومة.
ويوم الإثنين، بدأت قوات الجيش السوري عملية الانتشار في منطقة الجزيرة السورية لتأمينها بموجب الاتفاق، حيث أعلنت هيئة العمليات تأمين سد تشرين وريف الرقة الشمالي، ومناطق في أرياف الحسكة وباتجاه طريق M4 الدولي.
كما أعلنت رئاسة الجمهورية، الثلاثاء، التوصل إلى تفاهم جديد مشترك بين الحكومة وقوات “قسد” حول عدد من القضايا المتعلقة بمستقبل محافظة الحسكة، بالتزامن مع إعلان وزارة الدفاع وقف إطلاق النار في جميع قطاعات العمليات لمدة أربعة أيام التزاماً بالتفاهم، إلا أن التنظيم واصل اعتداءاته على مواقع الجيش في شمال شرق البلاد، أكثر من 35 مرة في اليوم الأول، ما أدى إلى ارتقاء 11 شهيداً وإصابة أكثر من 25 جندياً.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































