تفاصيل برس-رصد
يجذب صوت إزميل الحرفي الدمشقي مأمون الحلاق، على المخرطة الخشبية التراثية، زوار قاعة التراث اللامادي والحرف التقليدية في معرض دمشق الدولي للكتاب، بمشهد حيّ يعيد إحياء واحدة من أقدم الحرف الدمشقية المهددة بالاندثار.
يعرض الحلاق مخرطة خشبية تراثية تُدار بالقوس والحبل، وهي آلة تعود إلى زمن ما قبل الكهرباء، تعمل بتناغم دقيق بين اليد والقدم والفكر، لتقدّم لوحة نابضة تمزج بين المهارة والحس الجمالي والذاكرة الدمشقية الأصيلة.
تجربة حية تكشف أسرار المهنة
الحرفي الذي أمضى أكثر من 55 عاماً في مهنة خراطة الخشب، قدّم للزوار تجربة حية لآلية العمل التقليدية على هذه المخرطة، موضحاً في تصريح لمراسل سانا أن العملية تعتمد على “دف خشبي، وقوس، وحبل، وإزميل، ومسند حديدي، إضافة إلى الجهد الجسدي الكامل للحرفي”، حيث تتكامل حركة الجسد مع التركيز الذهني لإنتاج قطع تراثية أصيلة تنبض بالحياة.
ومن خلال هذه التقنية القديمة، يصنع الحلاق قطعاً متجذّرة في الذاكرة الشعبية السورية مثل المهباج، وجرن الكبة، وأدوات منزلية تراثية أخرى، يحرص على أن تكون شاهداً حياً على هوية دمشق الحِرفية، وهديةً يحملها الزائر معه إلى مختلف دول العالم.
رسالة ثقافية لا تجارية
وأكد الحلاق أن مشاركته في المعارض، ولاسيما معرض دمشق الدولي للكتاب، لا تهدف إلى الربح المادي بقدر ما تحمل رسالة ثقافية وحضارية، قائلاً: “نحن نتحمّل تكاليف المشاركة، لأن همّنا الأول أن نظهر للعالم أن التراث السوري الأصيل لا يزال حيّاً رغم كل التحديات”.
وبيّن أن مهنة خراطة الخشب تكاد تنقرض، مشيراً إلى أنه من القلائل – وربما الوحيد حالياً – الذين يمارسون هذه الحرفة بالطريقة التقليدية في سوريا، في ظل انتشار الآلات الحديثة وارتفاع التكاليف وغياب الدعم الكافي للحرفيين التراثيين.
وأضاف الحلاق: إن الحرفي الناجح لا يُقاس بمهارته فقط، بل بإبداعه وأخلاقه المهنية، وهي صفات ما يُعرف بـ “شيخ الكار”، هذا اللقب الذي أطلقه السوريون لمن يشكّل قدوة في العمل والسلوك، ويحمل المهنة الحرفية عبر الأجيال كونها رسالة إنسانية قبل أن تكون مصدر رزق.
وحول أهمية عرض هذه الحرفة ضمن معرض دمشق الدولي للكتاب، أوضح الحلاق أن الهدف الأساسي هو مخاطبة الأجيال الشابة وتعريفهم بالمهن التراثية التي تشكّل جزءاً من الهوية الوطنية، ودعا الشباب إلى تعلم هذه الحرف إلى جانب دراستهم الأكاديمية، لأن “المهنة التراثية لا تموت، ما دام هناك من يحملها بإخلاص”.
لا يقتصر معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الحالية على عرض الكتب والإصدارات الحديثة، بل يمثّل مساحة ثقافية شاملة تحتضن التراث المادي واللامادي، عبر أجنحة مخصّصة للحرف التقليدية والعروض الفنية والتراثية التي تسلط الضوء على أهمية صون الذاكرة السورية الحِرفية والثقافية، وتقديمها للأجيال الجديدة بوصفها جزءاً أصيلاً من هوية المكان والإنسان.


































































































