تفاصيل برس – رصد
تبحث سوريا راهنا، في مرحلة البناء الاقتصادي، عن توسيع الشراكات الاقتصادية والحصول على المزيد من الفرص الاستثمارية والاستفادة من الاقتصادات الصاعدة، ولا سيما التي تمتلك تجربة تنموية رائدة، فالبلاد بحاجة ماسة إلى تنويع العلاقات والشراكات والاطلاع على أحدث المستجدات الاقتصادية.
يبرز في السياق تعزيز العلاقات السورية الأوزبكية اقتصاديا كأحد الخيارات الضرورية في مسار تنويع العلاقات الاقتصادية والانفتاح على دول وسط آسيا، بأهميتها الاقتصادية ومحوريتها في الجغرافيا السياسية، إذ إن أوزبكستان ليست فقط دولة غنية بالموارد الطبيعية ونجحت في تحويل ثرواتها إلى محركات للنمو والتنمية، بل هي أيضا دولة تسعى إلى تنويع اقتصادها وتعزيز مكانتها كقوة اقتصادية إقليمية ذات تأثير عالمي. أضف إلى ذلك أنها واحدة من الدول الأكثر تطورا في آسيا الوسطى، التي تعد اقتصاداتها من أسرع الاقتصادات نموا في السنوات الأخيرة.
تنطلق أهمية التشبيك الاقتصادي مع دول وسط آسيا من أن غالبية تلك الاقتصادات شهدت عمليات تحول وإعادة هيكلة بهدف تنويع الاقتصاد، وأغلب تلك الدول تعتمد تقليديا على صادرات الطاقة من نفط وغاز وصادرات الموارد الطبيعية الأخرى كالمعادن، وأهمها الذهب والنحاس. ومن هنا، وعلى اعتبار أن سوريا تعيد إنتاج اقتصادها وهيكلته، فبالإمكان الاستفادة من تلك التجربة في هذا السياق، إلى جانب الاستفادة لاحقا في التبادلات التجارية بشكل أكبر.
إلى جانب ذلك، يدخل البحث عن شراكات مع أوزبكستان في سياق الخطوات التي تقوم بها سوريا لفك عزلتها الاقتصادية والاندماج بالمحيط الإقليمي والدولي والمشاريع الاقتصادية العابرة للقارات. وبشكل أكثر دقة، يساعد التعاون مع دول آسيا الوسطى على دمج الاقتصاد السوري في محيطه الأوراسي الأوسع، فأوزبكستان تمتلك علاقات اقتصادية مريحة مع جيرانها بما يسهم في دفع التنمية المستدامة في المنطقة، كما تحافظ على وضع محايد في السياسة الدولية، وبالتالي فإن استناد التعاون السوري معها إلى مجموعة تلك العوامل المذكورة يفتح أمام سوريا شبكات أوسع وأعمق في الاقتصاد والسياسة معا.
وفد اقتصادي في أوزبكستان
في خطوة مهمة نحو تعزيز التعاون بين البلدين في مختلف المجالات الاقتصادية، أعلن رئيس اتحاد غرف التجارة السورية علاء العلي أن وفدا اقتصاديا سوريا رفيع المستوى سيبدأ زيارة إلى أوزبكستان من الأربعاء حتى 14 من الشهر الجاري، بمشاركة ممثلين عن وزارتي الخارجية والمغتربين، والاقتصاد والصناعة.
وقال العلي في تصريحات صحفية: الوفد الذي يضم 25 رجل أعمال سيجري لقاءات مباشرة مع شركات أوزبكية، إلى جانب زيارات لمعارض متخصصة في الصناعات الغذائية ومواد البناء والهندسة الكهربائية والأثاث، فضلا عن جولات ميدانية في مدينة بخارى للاطلاع على منشآت إنتاجية ومجمعات زراعية ومصانع نسيج.
وأضاف العلي: زيارة الوفد الاقتصادي تأتي في وقت حاسم بالنسبة للاقتصاد السوري الذي يسعى إلى إعادة التوازن والنمو في مختلف القطاعات بعد سنوات من الحرب. وفي المقابل، تعد أوزبكستان واحدة من الأسواق الصاعدة في آسيا الوسطى، ما يجعلها وجهة استراتيجية للمستثمرين السوريين، وتهدف الزيارة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التي تدور حول تعزيز التبادل التجاري.
وستسهم زيارة الوفد السوري إلى أوزبكستان في تقييم فرص إقامة مشاريع مشتركة وتعزيز التبادل التجاري والاستثماري بين الجانبين، كما سيشارك الوفد في منتدى الأعمال الأوزبكي-السوري الذي يعقد في طشقند، ويتضمن جلسات عمل واجتماعات ثنائية مع ممثلي القطاعين العام والخاص تهدف إلى الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة في أوزبكستان أمام رجال الأعمال السوريين.
ومن المتوقع أن تسهم هذه الزيارة في التوصل إلى اتفاقيات تعاون يمكن أن تثمر عن إقامة مشاريع مشتركة بين القطاعين العام والخاص في كلا البلدين، والتي ستعود بالفائدة على الاقتصادين السوري والأوزبكي.
فتح مسارات تجارية إقليمية جديدة
تتمتع أوزبكستان بمجموعة من المزايا التي تجعلها بيئة خصبة للاستثمار في قطاعات استراتيجية عدة، مثل الصناعات الغذائية ومواد البناء والهندسة الكهربائية والتكنولوجيا، إضافة إلى أن صناعة النسيج تشهد تطورا ملحوظا.
ومؤخرا، قال رئيس غرفة تجارة وصناعة أوزبكستان دافرون وخابوف إن السوق السورية تشهد طلبا متزايدا على مجموعة واسعة من المنتجات الأوزبكية، ما يفتح المجال أمام تصدير بضائع بقيمة تتراوح بين 100 و150 مليون دولار خلال العام المقبل، في ظل تحركات رسمية لتعزيز التعاون التجاري وإعادة الإعمار الصناعي بعد الحرب.
ونقلت صحيفة “كاسبيان بوست” عن وسائل إعلام أوزبكية أن وخابوف أوضح أن الطلب في سوريا يشمل المواد الغذائية، والأجهزة الكهربائية، والمركبات، وقطع الغيار، وزيوت التشحيم، لافتا إلى أن الشركات الأوزبكية ترى في السوق السورية فرصة واعدة للتوسع، خاصة مع الحاجة المتزايدة للسلع والمنتجات الصناعية.
وأشار إلى أن شحن البضائع إلى دمشق يستغرق نحو 20 يوم عمل، بكلفة تقارب 4500 دولار، موضحا أن أوزبكستان تبحث أيضا إمكانية استخدام سوريا والعراق كممرين ترانزيت للشحنات البرية المتجهة إلى الأردن والسعودية، بما يسهم في فتح مسارات تجارية إقليمية جديدة.
وأواخر كانون الأول من العام الماضي أجرى وفد أوزبكي زيارة إلى دمشق، والتقى مع رئيس اتحاد غرف التجارة السورية علاء العلي، والمدير العام للاتحاد محمد أمير الخميسي، حيث جرى بحث توسيع العلاقات التجارية والاقتصادية، وبناء قنوات اتصال مباشرة بين رجال الأعمال، وجذب الاستثمارات لدعم إعادة الإعمار الصناعي. كما اتفق الجانبان على تنظيم زيارة لوفد أعمال سوري إلى أوزبكستان مطلع عام 2026، إلى جانب عقد منتدى أعمال واجتماعات شراكة مباشرة بين الشركات.
وتستفيد سوريا من اقتصادات وسط آسيا مع الصين عبر دمج موانئها وموقعها الجغرافي في مبادرة “الحزام والطريق” كبوابة لشرق المتوسط، مما يحولها إلى مركز لوجستي. كما تتيح العلاقات مع تلك الاقتصادات جذب الاستثمارات لإعادة الإعمار وتفعيل خطوط نقل برية وسككية وتصدير منتجات زراعية وتجارية “الفوسفات، القطن، زيت الزيتون” إلى تلك الأسواق واستيراد التكنولوجيا والمواد الأولية، مما يعزز البنية التحتية والتبادل التجاري.
أوزبكستان واقتصادات آسيا الوسطى
من حيث حجم الاقتصاد تلي أوزبكستان كازاخستان في اقتصادات وسط آسيا، إذ يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لها حدود 70 مليار دولار، ودخلها القومي في حدود 300 مليار دولار. وما زالت أوزبكستان تشهد تحولا اقتصاديا من التوجه الاشتراكي حين كانت ضمن دول الاتحاد السوفياتي، بشكل أكبر من بقية الدول الخمس “كازاخستان، أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، قرغيزستان”، وتعمل في هذا السياق على تنويع اقتصادها ما بين الزراعة والتعدين والتصنيع والبناء والتشييد.
وتشير العديد من التحليلات الاقتصادية إلى أن أوزبكستان قطعت شوطا كبيرا في تنوع الاقتصاد، إذ لا تقتصر على صناعة المعادن والطاقة فقط، بل تسعى لتطوير قطاعات جديدة مثل السياحة وصناعة السيارات والمنسوجات، كما تسعى من أجل عملية التحول إلى جذب الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعاتها المختلفة، بخاصة قطاع التعدين، إذ إن فيها احتياطات كبيرة من الذهب وتعتمد في دخلها القومي إلى حد كبير على عائدات صادرات الذهب وتحويلات العاملين بالخارج. كما تشكل الزراعة مكونا مهما في الناتج المحلي الإجمالي، وتعد أوزبكستان من أكبر منتجي القطن، ويتوقع أن يصل نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى نسبة خمسة في المئة هذا العام.
وتشير المعلومات إلى أن آسيا الوسطى ظهرت مؤخرا ككتلة اقتصادية مرنة، مما يدل على نمو مطرد في الجمهوريات الخمس، على الرغم من حالة عدم اليقين العالمية. إذ حظيت أوزبكستان بمعدل نمو قوي بلغ 6.6%، بفضل الاستثمارات الثابتة وتطوير البنية التحتية، كما سجلت كازاخستان نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4%، بدعم من الأداء القوي في القطاعين الزراعي وغير النفطي. في حين شهدت طاجيكستان أحد أسرع معدلات النمو في المنطقة بنسبة 8.4%، بفضل تدفقات التحويلات المالية وصادرات الذهب، وسجلت قرغيزستان نموا في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 5.7%، نتيجة لانتعاش الزراعة وتوسع التجارة مع الصين والدول المجاورة، فيما نما الاقتصاد التركمانستاني المعتمد على الهيدروكربونات بنسبة 6.2%، مدعوما بصادرات الغاز الطبيعي القوية إلى الصين.
نافذة اقتصادية ممكنة
يحاول المستشار في الإدارة والاقتصاد الصناعي، الدكتور المهندس سامر رحال، توصيف زيارة الوفد الاقتصادي السوري إلى أوزبكستان، مقدما قراءة واقعية وموضوعية، ويرى أن الزيارة لا تأتي في لحظة ازدهار أو فائض خيارات، بل على العكس تماما تأتي في ذروة ضيق اقتصادي داخلي وتقلص شديد في هوامش الحركة الخارجية، لذلك لا يمكن التعامل مع هذه الزيارة بوصفها إنجازا بحد ذاته، كما لا يمكن اختزالها في إطار زيارة بروتوكولية عابرة، بل هي محاولة واقعية للبحث عن نافذة اقتصادية ممكنة.
ويقول الدكتور رحال في تصريح لـ”الثورة السورية”: العلاقات الاقتصادية بين سوريا وأوزبكستان لم تكن يوما علاقات قوية أو محورية، لكنها في المقابل لم تكن علاقات مأزومة أو مسيسة، وهذا تحديدا ما يمنحها قيمة اليوم، إذ إنه في عالم باتت فيه السياسة تتقدم على الاقتصاد تصبح العلاقات الهادئة ميزة بحد ذاتها، خاصة لدولة مثل سوريا تبحث عن شركاء لا يضعون أثمانا سياسية مسبقة على أي تعاون اقتصادي.
ويوضح رحال أن أوزبكستان ليست دولة نفطية ريعية ولا اقتصادا ماليا ضخما، لكنها بنت خلال السنوات الماضية قاعدة إنتاجية حقيقية في الزراعة والنسيج والصناعات الغذائية ومواد البناء، والأهم من ذلك أنها طورت نموذجا يعتمد على مشاريع متوسطة الحجم قابلة للتشغيل والاستمرار حتى في بيئات ليست مثالية، وهذا النموذج بالذات هو ما تحتاجه سوريا اليوم أكثر من أي وعود استثمارية ضخمة ربما لا تجد طريقها إلى التنفيذ أو تحتاج إلى سنوات.
أوزبكستان ودعم الاقتصاد السوري
ونوه مستشار الإدارة والاقتصاد الصناعي إلى أن الوفد السوري سيزور مصانع نسيج ومجمعات زراعية ومعارض صناعية، لكن القيمة الحقيقية لهذه الجولات لا تكمن في الصور أو البيانات، بل فيما إذا كانت ستترجم لاحقا إلى شراكات فعلية، والحديث هنا ليس عن مليارات الدولارات بل عن مصانع تعمل وخطوط إنتاج يعاد تشغيلها وتعاون تقني يمكن نقله وتكييفه مع الواقع السوري لا نسخه حرفيا.
ومن الناحية العملية يمكن لأوزبكستان أن تسهم في دعم الاقتصاد السوري عبر نقل الخبرة قبل رأس المال، وفقا لرحال: خبرة إدارة القطن والنسيج وتنظيم سلاسل الإنتاج الغذائي وتشغيل منشآت صناعية بكلفة معقولة، وهذه عناصر أساسية لاقتصاد يحاول النهوض من القاع ولا يملك ترف المغامرات الكبرى.
وفي الوقت نفسه تمثل الزيارة محاولة لكسر حالة الانكفاء الاقتصادي السوري باتجاه دوائر جديدة، فالتعاون مع دول آسيا الوسطى لا يصطدم مباشرة بجدار أي عقوبات ويفتح قنوات تجارية بديلة حتى لو بقيت محدودة في بدايتها، فالأهم هنا هو فتح المسار لا حجم الأرقام في المرحلة الأولى.
بوابة أولى نحو فضاء أوسع
وبين الدكتور رحال أن الحديث عن الحضور الاقتصادي السوري في آسيا الوسطى يجب أن يبقى ضمن حدوده الواقعية، فسوريا لن تتحول إلى لاعب مؤثر في هذا الفضاء في المدى القريب، لكن يمكنها أن تعود إلى الظهور كطرف اقتصادي “قابل للتعامل” وهذا بحد ذاته تطور مهم بعد سنوات من العزلة، وقد تكون أوزبكستان بوابة أولى نحو فضاء أوسع إذا ما نجحت التجربة دون كلفة سياسية أو اقتصادية مرتفعة.
مع ذلك يبقى الخطر الأكبر في أن تنتهي الزيارة كما انتهت كثير من الزيارات السابقة ببيانات إيجابية مع نوايا حسنة ثم لا شيء. الفرق هذه المرة يجب أن يكون في التفاصيل، أي مشاريع محددة مع جداول زمنية واضحة وشراكة حقيقية مع القطاع الخاص السوري، لا الاكتفاء بتمثيل رسمي لا يملك أدوات التنفيذ.
ويخلص رحال إلى القول إن هذه الزيارة ليست إنقاذا للاقتصاد السوري لكنها قد تكون خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح، وفي اقتصاد منهك، الخطوات الصغيرة الواقعية حين تحسن إدارتها قد تكون أكثر قيمة من الوعود الكبيرة التي لا تغادر الورق.
ممر للتجارة والصناعة السورية
يوضح الباحث والأكاديمي الاقتصادي، أستاذ الإدارة المالية في جامعة باشاك شهير في إسطنبول، الدكتور فراس شعبو، أن حجم التبادل التجاري بين سوريا وأوزبكستان متواضع جدا، خاصة في الفترات السابقة حيث كانت سوريا معاقبة، إذ إن أوزبكستان مشهورة بالقطن والملابس الجاهزة والفواكه والغاز الطبيعي، وهي من الدول المصدرة للغاز بشكل كبير، ويمكن أن تكون ممرا للتجارة والصناعة السورية.
ويقول الدكتور شعبو في حديث لـ”الثورة السورية”: الزيارة إيجابية لأن سوريا تسعى لأن تبني علاقات جيدة مع الإقليم ودول المنطقة، وهي تفتح آفاق التعاون والاستثمار والتبادل الصناعي والتجاري والسياحي، كما إن نجاح الزيارة لا يقاس بما يقال داخلها بل بعدها، وهي خطوة بالاتجاه الصحيح لفتح الأبواب للجميع، لأوروبا وآسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية، للاستثمار وتكوين اقتصاد غير مغلق ومفتوح للجميع، وليس كما في السابق حينما كان الاقتصاد السوري محصورا على دول معينة كالصين وإيران والدول الآسيوية.
ونوه الباحث الاقتصادي إلى أن الزيارة هي نوع من كسر العزلة الاقتصادية بأسلوب ناعم، وتظهر للعالم بأننا قادرون على الشراكات الفعلية التي تستفيد من موقع سوريا المهم، الذي يمكن أن تستفيد منه أوزبكستان في الموانئ السورية، كون لدينا المياه الدافئة، والذي يمكن أن يسهم في تنمية بعض القطاعات للبلدين مثل النسيج أو مواد البناء، وإنشاء شركات ضخمة في مجال الغاز.
بالنهاية، أوزبكستان يمكن ألا تكون هدفا بل بوابة للدول الأخرى لأنها مركز آسيا الوسطى، مما يمكننا من الانفتاح على هذه الدول بشكل أساسي، وهو ما يقلل الهشاشة وينوع في الاستثمارات الداخلية.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































