تفاصيل برس – رصد
تواصل الولايات المتحدة عمليات إخلاء قواعدها العسكرية في سوريا، في خطوة تحمل بين طياتها رسائل ودلالات استراتيجية تتقاطع جلها عند الحديث عن بداية مرحلة جديدة من التوازنات والشراكات التي فرضتها التحولات التي اجتاحت المنطقة خلال الفترة الماضية، لا سيما بعد نجاح دمشق في إثبات نفسها شريكا وطرفا فاعلا ومؤثرا في ضبط إيقاع واستقرار المنطقة برمتها، عقب تجاوزها معظم التحديات والعراقيل التي حاول البعض وضعها في مسار تعافيها ونهوضها.
الانسحاب الأميركي المتواتر والمنظم من الأراضي السورية بدأ منتصف العام الماضي، عندما أخلت الولايات المتحدة قواعد عسكرية عدة في ريفي الحسكة ودير الزور، أبرزها حقلا العمر وكونيكو، وقاعدة تل البيادر. واستكمل الأسبوع الماضي الانسحاب من قاعدة التنف، وقبل يومين من قاعدة الشدادي، وهي أكبر قواعدها في شمال شرقي سوريا. وهذا الانسحاب بقدر ما يعكس تغيرا استراتيجيا في الأولويات الأميركية في سوريا بشكل خاص والمنطقة على وجه العموم، بقدر ما يعكس إعادة تعريف للتموضع الأميركي بعناوين ومضامين أكثر براغماتية. لكنه بصفة عامة ليس منفصلا عن مسار العلاقات السورية الأميركية خلال عام مضى، وهو المسار الذي لا يزال في طور الصعود نحو تعاون وتقارب في كل المجالات والأصعدة.
انعكاس للتقارب والشراكة السورية الأميركية
ويؤكد باحثون سياسيون أن الانسحاب الأميركي من سوريا لا يمكن قراءته بمعزل عن التطورات الإيجابية التي طرأت على العلاقات بين البلدين، حيث شهدت دعما أميركيا ملحوظا للدولة السورية، وبرعاية ومتابعة حثيثة ومباشرة من الرئيس الأميركي دونالد ترامب. لذلك فإنه، بحسب الباحث السياسي حسين سعد، انعكاس للتقارب والشراكة السورية الأميركية في محاربة الإرهاب، حيث القناعة الأميركية بضرورة استعادة الدولة السورية لزمام الأمور على كل أراضيها، انطلاقا من كونها الجهة الشرعية والرسمية الوحيدة المعنية بفرض سيطرتها على كامل حدودها وجغرافيتها.
وأكد سعد لـ”الثورة السورية” أن الانسحاب الأميركي من سوريا يشكل في أحد أوجهه دعما للدولة الجديدة وإعلانا بأنها باتت تتعامل معها كطرف فاعل ومؤثر في قضايا وملفات المنطقة. ناهيك عن أن هذا الحراك الأميركي يعكس ثقة واشنطن الكبيرة بدمشق لجهة قدرتها على فرض سيطرتها على كامل أراضيها، وقدرتها على محاربة الإرهاب بالتنسيق والشراكة معها. وباختصار، فإن الحراك الأميركي يحمل دلالة سياسية تتجاوز البعد العسكري، وتتمثل باعتراف أميركي بقدرة دمشق على إدارة تحدياتها وضبط حدودها وفرض نفسها انطلاقا من كونها القوة الوحيدة المعنية بالحفاظ على مواطنيها والدفاع عنهم.
لكن الخروج من دائرة الارتدادات التي نتجت عن التحولات والمتغيرات التي غيرت وجه المنطقة يفسر لنا هذا الانسحاب ببعده الاستراتيجي الأقرب إلى المصالح الجيوسياسية الأميركية، حيث يمكن إرجاع هذا الانسحاب من سوريا والعراق إلى الاستراتيجية الأميركية الجديدة حيال الشرق الأوسط، التي تحدثت بشكل واضح عن قرار أميركي بالانسحاب التدريجي من المنطقة خلال عام 2026، للتفرغ نحو جبهات أكثر خطورة وتهديدا على الولايات المتحدة الأميركية، كجبهة الصين وروسيا على سبيل المثال.
ضمن هذا الإطار، يتابع الباحث السياسي حديثه بالقول إن الانسحاب الأميركي لا يعني أن الولايات المتحدة ستخرج من المنطقة بشكل كامل، بل ستبقى من خلال بعض القواعد الأميركية الموجودة في المنطقة لتقديم خدمات لوجستية واستخباراتية، واستخدامها عند الضرورة والحاجة. وهذا يتيح للدولة السورية، عبر جيشها، إعادة الانتشار في كل المواقع التي انسحبت منها القوات الأميركية وملء الفراغ.
إعادة تموضع منظم وممنهج
وتسلمت وزارة الدفاع، الأحد، قاعدة الشدادي بعد انسحاب القوات الأميركية منها، ليقتصر الوجود العسكري الأميركي بعد ذلك على قاعدتين فقط في شمال شرق سوريا، هما قاعدة الرميلان التي تقع في الشمال الشرقي من محافظة الحسكة قرب الحدود السورية العراقية، وقاعدة قصرك التي تقع على الطريق الدولي “إم 4″، الذي يربط بين محافظات حلب وإدلب واللاذقية ويصل إلى الحسكة.
وتعد قاعدتا التنف والشدادي من أبرز المواقع العسكرية الأميركية في سوريا لما لهما من أهمية استراتيجية كبيرة على الأرض. إذ تقع قاعدة التنف عند المثلث الحدودي السوري العراقي الأردني، ما يجعلها نقطة تحكم حيوية للمراقبة والسيطرة على حركة القوات والتهريب في الصحراء السورية، كما كانت نقطة انطلاق للعمليات العسكرية الاستباقية ضد خلايا تنظيم “داعش” الإرهابي، ومركزا لجمع المعلومات الاستخباراتية حول تحركاته في محافظتي دير الزور والحسكة، مع توفير دعم لوجستي سريع للقوات الأميركية. أما قاعدة الشدادي، التي تقع شمال شرق الحسكة وتربط بين محافظتي الحسكة ودير الزور، فقد استخدمت أيضا منذ عام 2016 كمركز رئيسي لعمليات التحالف الدولي ضد “داعش”، كما كانت نقطة حيوية لتنسيق الدعم العسكري والاستخباراتي بين القواعد الأميركية الأخرى في شمال وشرق سوريا.
ولا يمكن فصل الانسحاب الأميركي من سوريا عن سياق الانسحاب التدريجي نفسه في العراق، إذ تتداخل الأبعاد اللوجستية والعسكرية والسياسية في كل من البلدين، ولا سيما أن الوجود الأميركي في سوريا ارتبط بقواعده في العراق.
وفي كانون الثاني الماضي، سلمت واشنطن قاعدة “عين الأسد” الجوية في الأنبار للحكومة العراقية، وهي نقطة عسكرية محورية بالنسبة للجيش الأميركي، وكانت تضم قوات للتحالف بقيادة الولايات المتحدة في غرب العراق. وسبقها تسليم قاعدة الحبانية عام 2020، ومن ثم حصل تجميع تدريجي للقوات الأميركية في قواعد أميركية بكردستان العراق.
ويتقاطع هذا الانسحاب في كلا البلدين بوصفه إعادة تموضع منظم ومنهج، وليس انسحابا مفاجئا أو كاملا، حيث ستبقي واشنطن، كما أسلفنا، على وجود محدود لقواتها بهدف المساعدة وتقديم المشورة وتمكين دمشق وبغداد في مكافحة الإرهاب بعد تلك الفترة، وذلك وفق تصريحات لمسؤول في وزارة الحرب الأميركية.
نشر الاستقرار وإحالة المسؤولية للجيش السوري
في هذا الإطار يأتي التقرير الذي نشرته مؤخرا مجلة “فوربس” الأميركية، والذي تناول أبعاد الانسحاب العسكري الأميركي من قواعد عسكرية في شمال شرقي سوريا، حيث أكدت أن ذلك يأتي في إطار عملية “انتقال مقصودة ومشروطة” للتحالف الذي تتزعمه الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة “داعش”.
وبينت المجلة أن الانسحاب يأتي بعد أن قامت الدولة السورية بفرض سيطرتها على مناطق كانت تحت سيطرة “قسد” التي كانت تتولى محاربة “داعش”. ولذلك أعلنت الولايات المتحدة أن “الغرض الأصلي” لشراكتها مع “قسد” في محاربة تنظيم “داعش” قد انقضت صلاحيته وانتهى الآن، ولذلك أيدت الاتفاق على دمج “قسد” في الجيش السوري الجديد، الذي اعتبرته واشنطن “نافذة مشرعة” بوسعها استغلالها لتنفيذ انسحاب سريع من سوريا والعراق، والذي خططت لتنفيذه بنهاية عام 2026.
وأضافت: “بما أن إدارة ترامب كانت لديها رغبة بالانسحاب من مهمة محاربة تنظيم داعش منذ الولاية الأولى، وتحديدا في خريف عام 2019، لذلك فقد رأت في الاتفاق بين “قسد” ودمشق فرصة لنشر الاستقرار وإحالة مسؤولياتها الأمنية إلى الجيش السوري”.
وكانت القيادة المركزية الأميركية “سنتكوم” أعلنت في وقت سابق أن قواتها “أنهت مغادرة منظمة من قاعدة التنف في سوريا في إطار انتقال مدروس ومشروط تنفذه قوة المهام المشتركة – عملية العزم الصلب”. وهي صياغة تعكس حرص القيادة المركزية على تقديم الخطوة باعتبارها إعادة تموضع محسوبة، لا انسحابا تحت الضغط. وتعزيزا لهذا المعنى، أكد قائد القيادة المركزية الأدميرال براد كوبر أن “القوات الأميركية تظل على أهبة الاستعداد للرد على أي تهديدات لداعش قد تنشأ في المنطقة”، مضيفا أن واشنطن ستواصل “دعم الجهود التي يقودها الشركاء لمنع عودة الشبكة الإرهابية”، ومشددا في الوقت ذاته على أن “الحفاظ على الضغط على داعش أمر أساسي لحماية الأراضي الأميركية وتعزيز الأمن الإقليمي”.
وبالتوازي مع ذلك، ترجح تقديرات عسكرية أن إعادة التموضع الأميركية ستشمل قواعد أميركية داخل الأراضي الأردنية، وتحديدا إلى موقع “البرج 22″، القاعدة اللوجستية القريبة من الحدود السورية التي تستخدم مركزا للمراقبة والإسناد.
ووفق تقارير سابقة، فقد أعلنت وزارة الحرب الأميركية أن عدد قواتها في سوريا يتراوح بين 800 و900 جندي، فيما ذكرت تقارير أخرى أن العدد يصل إلى نحو ألفي جندي.
مهما كانت أبعاد وأهداف هذا التموضع الأميركي، فإنه يعكس تحولا في النهج وانتقالا من مرحلة التعاون القلق مع دمشق إلى مرحلة التعاون الآمن والموثوق، الذي يفتح الأبواب على تحديات من نوع جديد. ولا خيار أمام الدولة إلا مواجهتها وتجاوزها، وإثبات أنها قادرة على إدارة تحدياتها وضبط إيقاعها وفقا لمصالحها الاستراتيجية وثوابتها الوطنية.
لقراءة الخبر من مصدره الأساسي (اضغط هنا)


































































































