تفاصيل برس-رصد
في مشهد يكشف عمق التشابك بين السياسة والقانون والاقتصاد، أعاد حكم المحكمة العليا الأمريكية خلط أوراق السياسة التجارية، بعدما أطاح بجزء واسع من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترامب، قبل أن يسارع الأخير إلى رفعها مجدداً إلى الحد القانوني الأقصى، في محاولة للحفاظ على أداة ضغط مركزية في الاستراتيجية الاقتصادية للإدارة.
الحكم لم يكن تقنياً فحسب، بل حمل أثراً اقتصادياً مباشراً، إذ أسقط الرسوم المفروضة بموجب قانون الطوارئ الاقتصادية الدولية (IEEPA)، ما أدى إلى: تراجع متوسط التعرفة الأمريكية من 15.4% إلى 8.3%، وانخفاض الكلفة الجمركية على الواردات إلى نحو النصف، وإلغاء “التعريفة الشاملة” التي طالت معظم الشركاء التجاريين.
كما شمل الإلغاء رسوماً إضافية استهدفت قوى اقتصادية كبرى مثل الصين والاتحاد الأوروبي، إضافة إلى رسوم مرتبطة بملفات سياسية وأمنية، من بينها (الفنتانيل) والهجرة.
لكن الحكم أبقى على أدوات أكثر رسوخاً في السياسة التجارية الأمريكية، أبرزها:
رسوم المادة 232 (بنسبة 25%) على الصلب والألمنيوم والسيارات
رسوم المادة 301 على السلع الصينية ما يعني أن بنية الحماية التجارية لم تنهَر، بل أعيد تشكيلها.
ردّ ترامب.. رفع فوري إلى الحد الأقصى
لم يتأخر البيت الأبيض في الرد، إذ أعلن ترامب رفع الرسوم إلى 15% فوراً، وهو الحد الأعلى المسموح به مؤقتاً بموجب قانون التجارة لعام 1974، في خطوة تعكس مسارين متوازيين: الالتفاف على القيود القضائية، والإبقاء على الرسوم كأداة تفاوض وضغط في السياسة التجارية.
وتتجه الإدارة نحو مسار أكثر تعقيداً، يقوم على فتح تحقيقات جديدة بموجب المادة 301، وإعادة بناء منظومة الرسوم ضمن أطر قانونية أكثر صلابة.
معركة الـ 175 مليار دولار
أخطر تداعيات الحكم يتمثل في فتح الباب أمام استرداد الرسوم الملغاة، التي تُقدّر بنحو 175 مليار دولار، وقد بدأت أكثر من ألف شركة بالفعل تحركات قانونية، لكن الحكم لم يحسم آلية الاسترداد، ما يعني أن المعارك القضائية قد تمتد لسنوات، خاصة أن الاسترداد غير تلقائي ويتطلب دعاوى فردية.
ومنح الحكم جرعة ارتياح للأسواق عبر تخفيف الضغط على سلاسل التوريد، وخفض كلفة الاستيراد، وإعادة الرسوم إلى مستويات أقرب لما قبل 2025، لكن هذا الارتياح يبقى هشاً في ظل قرارات أمريكية سريعة التعويض وغياب رؤية مستقرة للسياسة التجارية.
وتبرز هنا حساسية ملف التجارة مع الصين، وخصوصاً في القطاع الزراعي، ففقدان “سلاح الرسوم” يضعف قدرة واشنطن على فرض صفقات تجارية، ويجعل صادرات مثل فول الصويا أقل جاذبية للصين، التي تجد عروضاً أكثر تنافسية من البرازيل، ما يفاقم ضغوط المزارعين الأمريكيين.
ما بعد الحكم.. سياسة أبطأ وأقل مرونة
الرسالة الأعمق للحكم تتمثل في إعادة رسم حدود السلطة التنفيذية عبر تقييد استخدام قوانين الطوارئ في التجارة، وفرض رقابة قضائية على أدوات الضغط الاقتصادي، ودفع الإدارة لاعتماد مسارات قانونية أطول وأكثر تعقيداً.
ورغم تعهّد ترامب بالعودة إلى مستويات الرسوم السابقة، فإن الطريق بات أبطأ وأكثر كلفة وأقل مرونة، فالرسوم لم تختفِ، لكنها باتت محكومة بقواعد جديدة، فيما تبحث الإدارة عن بدائل للالتفاف على القيود، وتجد الشركات نفسها بين فرص وتحديات، والأسواق أمام مرحلة طويلة من عدم اليقين.
وبين حكم قضائي يخفّض الرسوم وقرار سياسي يعيد رفعها، تدخل التجارة العالمية مرحلة جديدة عنوانها: الرسوم مستمرة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً وصراعات أكثر تشابكاً.


































































































